أزمة فيروس كورونا.. بعد أسابيع من الخمول، الاتحاد الأوروبي يبحث عن وحدته المفقودة

و م ع عفاف رزوقي 13:06 - 13 أبريل 2020

 “متحدون في إطار التنوع”، هكذا يؤكد شعار الاتحاد الأوروبي على الوحدة باعتبارها جوهر المشروع الوحدوي للتكتل، لكن أزمة فيروس كورونا جعلت الانقسامات الخفية والصراعات الكامنة بين البلدان الأعضاء تطفو على السطح من جديد، بدلا من جعلها تتآزر وتضع اليد في اليد.

ففي هذه الأوقات العصيبة، حيث كان لزاما على قيم التضامن والتعاون التي تأسس عليها الاتحاد الأوروبي أن تتجلى في كامل معانيها، أثرت الأنانية والفردانية بشكل أكبر على أوروبا التي أضعفتها سلسلة من الأزمات.

وعاش الاتحاد الأوروبي، الذي اجتاحه فيروس كورونا المستجد على نحو عنيف، متخبطا لعدة أسابيع في عدم قدرته على تقديم إجابة موحدة وجريئة على هذه الجائحة، ما يبرهن على عدم قدرة وخمول مقلق.

فقد دفعت إيطاليا، التي تعد البلد الأوروبي الأكثر تضررا جراء فيروس كورونا، ثمن هذا النهج القائم على “كل واحد لمصلحته”، حيث وجدت نفسها وحيدة ومن دون أسلحة في خضم معركة بدون رحمة.

هكذا، انتهى الأمر برئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، إلى الاعتراف قبل بضعة أيام بتأخير رد فعل الاتحاد الأوروبي في مواجهة الوباء ونقص مستوى التضامن مع إيطاليا.

وقالت فون دير لاين في رسالة موجهة إلى الإيطاليين بتاريخ 2 أبريل الجاري “أتقدم لكم باعتذاري”، مشددة على أنه إذا اصطفت أوروبا اليوم إلى جانب إيطاليا، فإن ذلك “لم يكن عليه الحال دائما”.

وحسب رئيسة السلطة التنفيذية الأوروبية، فإن إيطاليا لم تتمكن من الاعتماد على التضامن الأوروبي خلال هذه الأزمة غير المسبوقة. ولعل أحد المظاهر الأكثر دلالة على انعدام المساعدة ونقص التعاون المتبادل، هو حرب الأقنعة الواقية ومعدات الحماية التي شنتها بعض البلدان الأعضاء.

فبين حظر تصدير الكمامات الواقية وسرقة هذه المعدات الحيوية بين الجيران الأوروبيين، قوضت هذه الأعمال الرعناء القيم الأساسية للتكتل الأوروبي، التي هزتها الممارسات الحمائية والسلوكات القومية.

ومن أجل احتواء حرب الكمامات هاته، حاول الاتحاد الأوروبي إعادة إحياء التعاون بين الدول الأعضاء من خلال إطلاق احتياطي الطوارئ “ريسكيو”، الذي يهدف إلى تمكين البلدان الأوروبية من الوصول السريع إلى المعدات الطبية، من قبيل أجهزة التنفس الاصطناعي والأقنعة، حيث حظيت هذه المبادرة بترحيب جماعي في أوروبا، على الرغم من اعتبارها جاءت متأخرة جدا.

وإلى جانب حالة الطوارئ الصحية، توالت الدعوات من جميع الآفاق خلال الأسابيع الأخيرة للمطالبة باستجابة اقتصادية جريئة ومتضافرة من قبل الاتحاد الأوروبي على هذه الجائحة.

ووسط حالة من الترقب، تخبط الاتحاد الأوروبي في الاستجابة بسرعة وفعالية لهذه الأزمة. فعلى الرغم من أنه اتخذ سلسلة من التدابير الرامية إلى التخفيف من الآثار الاقتصادية للوباء، لاسيما تمكين الدول الأعضاء من 37 مليار يورو من الصناديق الهيكلية الأوروبية القائمة، وتعليق تطبيق قواعد الميزانية الأوروبية، والترخيص لمساعدات الدولة الممنوحة للشركات، تمت دعوة الاتحاد الأوروبي إلى العمل على نحو مضاعف للحد من الضرر، في الوقت الذي تلوح في الأفق ملامح ركود عميق في أوروبا، حتى أن صندوق النقد الدولي يرى بأن فيروس كورونا قد يتسبب عبر جميع أنحاء العالم في “أسوأ تداعيات اقتصادية منذ الكساد الكبير” في العام 1929.

وبعد مناقشات طويلة غير مثمرة بين الدول الأعضاء والخلافات حول استراتيجيات إنقاذ الاقتصاد المعتل بسبب فيروس “كوفيد-19″، اتفقت الدول الـ 27 أخيرا على استجابة اقتصادية موحدة في مواجهة الجائحة.

وتهم الاتفاقية التي أبرمها، يوم الخميس الماضي، وزراء المالية الأوروبيون المجتمعون في إطار مجموعة اليورو، خطة إنقاذ بقيمة 540 مليار يورو لدعم الشركات والعمال وميزانيات الدول الأكثر ضعفا بسبب الوباء.

وستعتمد على البنك الأوروبي للاستثمار، من خلال صندوق ضمان بقيمة 200 مليار يورو مخصص للمقاولات، وخطة “شور” للمفوضية الأوروبية التي ستخصص 100 مليار يورو لدعم البطالة الجزئية، وكذا آلية الاستقرار الأوروبية بقيمة 240 مليار يورو.

وشكل اللجوء إلى آلية الاستقرار الأوروبية، وهو إجراء لتدبير الأزمات المالية أحدث سنة 2012، أحد العوائق الرئيسية خلال المفاوضات بشأن الاستجابة الاقتصادية للاتحاد الأوروبي.

وكانت هولندا قد أبدت قدرا من التصلب من خلال إصرارها على أن هذا الإجراء الذي يسمح للبلدان الأكثر تأثرا بالحصول على خطوط ائتمان بمعدلات منخفضة للغاية، ينبغي أن يكون مصحوبا بشروط مشددة، لاسيما مطالب الإصلاح، وهو الخيار الذي لاقى رفضا كليا من قبل إيطاليا.

ومن أجل كسر حالة الجمود هاته، اقترحت ألمانيا حلا وسطا لتخفيف هذه الشروط حتى تتمكن الدول الأكثر تضررا جراء الوباء من الحصول على قروض، شريطة أن يتم إنفاقها “بشكل مباشر أو غير مباشر” على شؤون الرعاية الصحية.

وينص الاتفاق الذي تم اعتماده من طرف البلدان السبعة والعشرين، أيضا، على إنشاء “صندوق استرداد” “Recovery Fund” مستقبلي، وهو صندوق انتعاش مؤقت وموجه لم يتم تحديد حجمه وطريقة عمله حتى الآن.

والأكيد أن هذه الاستجابة الاقتصادية الأوروبية، منحت بصيص أمل في الوحدة الأوروبية التي تمت استعادتها، لكن الدول الأكثر تأثرا، لاسيما إيطاليا، تعتبر أن هذه الخطة التي تتجاوز قيمتها 500 مليار يورو ليست في مستوى الرهان.

وأصر رئيس الوزراء الإيطالي، جوزيبي كونتي، على أن “التقديرات الأولى تفيد بأننا في حاجة إلى 1,5 مليار يورو”، داعيا مرة أخرى إلى نظام لتجميع الديون في شكل سندات أوروبية تعرف باسم “سندات كورونا” “corona bonds”.

ومع ذلك، فإن هذه الأداة، التي تروم الحصول على أموال مهمة لمواجهة الصدمة الاقتصادية وتحفيز استئناف النمو في مواجهة الوباء، تحدث انقسامات بين الدول الأعضاء. فإذا كانت إيطاليا وإسبانيا وفرنسا وست دول أوروبية أخرى قد دعت إلى إقرار “سندات كورونا”، فإن البلدان الأعضاء الأخرى، لاسيما ألمانيا والنمسا وفنلندا وهولندا، ترفض هذا الحل، مجددة التأكيد على رفضها أن تكون جزءا من نهج مشترك مع دول الجنوب المدينة، والتي تعتبر “متساهلة” في تدبير ميزانيتها.

ومما لاشك فيه، أن قضية “سندات كورونا” المثيرة للجدل، ستكون على طاولة القادة الأوروبيين الذين سيعقدون قمة عبر الفيديو في 23 أبريل الجاري، والتي ستخصص لاستراتيجية الانتعاش الاقتصادي الأوروبية في مواجهة جائحة فيروس كورونا.

ففي الوقت الذي يسعى فيه الاتحاد الأوروبي بقوة إلى إظهار وحدته التي مستها أزمة فيروس كورونا، يحاول التكتل تحسين صورته على المستوى الدولي، من خلال دعم الجهود التي تبذلها الدول الأجنبية لمكافحة فيروس “كوفيد-19”. وفي هذا السياق، أنشأت المفوضية الأوروبية منظومة “Team Europe”، التي رصد لها مبلغ قدره 20 مليار يورو لفائدة الدول الشريكة في الاتحاد. لكن هل يفي هذا الغلاف المالي بتوقعات هذه البلدان واحتياجاتها الاقتصادية والإنسانية في مواجهة الوباء ؟.

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *