إدوارد سعيد.. حين عرى سوأة المؤسسة الأميركية وماكينتها المدمرة

حكيم عنكر 16:30 - 28 يونيو 2020

مثل السيرة الذاتية للمفكر والكاتب العربي إدوارد سعيد (1 نونبر 1935 القدس – 25 شتنبر 2003 نيويورك)، “خارج المكان”، التي ترجمها إلى العربية فواز طرابلسي، سيرة حياة زاخرة، يتداخل فيها الخاص بالعام، وتشتبك الذات مع موضوعها الرئيسي، الذي هو المنفى، ومضاعفته من مكان إلى آخر، منذ الخروج الأول من فلسطين إلى الخروج الثاني من القاهرة، نحو أميركا، إلى انتقال الأسرة إلى ضهور الشوير في لبنان.

لم ينسلخ سعيد عن جذوره، وأصبحت القضية الفلسطينية في صلب كتاباته ونضاله، وحتى عندما استقال من عضوية المجلس الوطني الفلسطيني سنة 1991، احتجاجا على اتفاقية أوسلو، فإن ذلك لم يمنعه من إثراء الموضوع الفلسطيني على صعيد المقاربة الفكرية والسياسية وإطلاق مبادرات للحوار الداخلي، ونسف الادعاءات الصهيونية بحق إسرائيل في إقامة الدولة اليهودية على أرض فلسطين وطرد أصحاب الأرض الشرعيين.

لقد كانت حياته على الصعيد السياسي موسومة بطابع المد والجزر، فمن جهة كان محاصرا في أميركا بسبب مواقفه المعلنة لشعبه، ووصل الحصار إلى المستوى الأكاديمي بعد هجمة اللوبي الصهيوني، ومن جهة ثانية لم يسلم من النيران الصديقة بسبب مواقفه من السلطة الفلسطينية نفسها، مما حمله على الابتعاد، في فترة لاحقة، ولعب مرضه الذي تفاقم دورا “مساعدا” على ذلك.

”بدأ كتابة هذه المذكرات سنة 1994 خلال فترات المرض والعلاج الكيميائي، وقاوم من أجل إتمامه”


في “خارج المكان” يذكر سعيد نصيحة والدته له، يقول “كانت توبخني قائلة: أنت أديب، السياسة في العالم العربي تدمر الناس الصادقين الطيبين من أمثالك”. أما بالنسبة إليه، هو “الأميركي المستجد” أو “إد سئيد”، فقد تمكن خلال أكثر من ست وأربعين سنة من إقامته في أميركا من الكشف عن وجهها الحقيقي البغيض، وعن هيمنة المؤسسة الأميركية على الأفراد، وسعيها الحثيث لتدجينهم، بدءا من النظام التعليمي، ونهاية بطبيعة الحياة الاجتماعية وصناعة الرأي العام.

لقد كان لصدور “خارج المكان” بالإنكليزية عام 1999، في أميركا وقع الصدمة على اللوبي الصهيوني، فهوجم سعيد في الإعلام المناهض للقضية الفلسطينية، كما اتهم بالكذب وتزوير الحقائق، بل جرى التشكيك حتى في كونه فلسطينيا.

بدأ كتابة هذه المذكرات سنة 1994 خلال فترات المرض والعلاج الكيميائي، وقاوم من أجل إتمامه في الظروف العويصة التي مر بها، وأراده أن يكون مكاشفة مع نفسه ومع ذاكرته، بكل ما يعج فيها من تفاصيل مهما بدت صغيرة وغير ذات أهمية قياسا إلى منجزه الفكري الكبير.

واستحوذ إدوارد وديع سعيد الطفل والمراهق على حصة الأسد من الكتاب، إنه كما يسرد هو نفسه “لقد سبق لزميل عربي أن قال إن بعض ما ورد في كتابي لا يُسرّ به المرء إلا لطبيبه النفساني. وأنا طبعا مدرك أن الكتابة الصريحة عن الذات نادرة في تراثنا. وإني لآمل أن يسهم هذا الكتاب في تنمية هذا التقليد. فإذا تحقق ذلك، بلغت الغاية والرضى. وربما علي أن أضيف أن هذا الكتاب ليس الجزء الأول من مذكرات متسلسلة، بل إنه كل ما نويت أن أكتبه في هذا النوع الأدبي”.

ملكة الرقص تحية كاريوكا

يرسم المفكر الفلسطيني العربي الكبير لوحة غاية في الدقة والجمال لملكة الرقص الشرقي تحية كاريوكا. لوحة حية تتحرك وتموج بالكلمات، تكشف افتتان المراهق الذي كانه بالجسد، الجسد الجميل المغوي، وبـ “الأداء النوراني والشهواني”، على حد تعبيره لهذه السيدة، التي تختصر، صورة امرأة من الشرق فيها “مزيج من السخرية والتمنع يصلان لحد الاحتشام”. لقد بقيت تلك الذكرى من زمن المراهقة حية في خياله، وهو يكتبها بحبر الاستعادة الفاتن.

نص يقدم بعدا آخر من أبعاد شخصية مفكرنا الكبير، صعب المراس نظريا، والرهيف، هنا، في هذه المذكرات التي تكشف دون قيود أو “حدود” أو رقابة ذاتية كانت أم جماعية.

يكتب إدوار سعيد: لم يكن من مخارج لشهواتي المكبوتة غير السينما والمسرح الراقص وعروض الكباريهات، وفي إحدى أماسي ربيع 1950 الشديدة الحرارة، تدبر سمير يوسف أمر حجز طاولة في “مسرح بديعة” في الهواء الطلق الواقع على حاجز صغير للماء تحت ما هو اليوم فندق شيراتون الجيزة. ولأول مرة في حياتي اهتززت إثارة لمشهد إيروسي بامتياز، لم أشاهد مثلا له من قبل. إنها تحية كاريوكا، أعظم راقصات زمانها، ترقص، ويرافقها جلوسا المطرب عبدالعزيز محمود. فتلتف حوله وتتلوى ثم تدور حول محورها باتزان محكم إلى حد الكمال. وكان ردفاها وساقاها ونهداها أبلغ بوحا من كل ما حلمت به أو تخيلته في نثري الاستمنائي الفظ، وتنضح بشهوة فردوسية.

ولمحت على وجه “تحية” بسمة تنم عن لذة متفلّتة من كل قيد، يعبّر فمها المفترّ قليلا عن نعيم النشوة. يلطف منها مزيج السخرية والتمنع يصلان لحد الاحتشام. تسمرنا أمام ذلك التناقض الفتان، مفاصلنا مرتخية، وأيدينا متشبثة بالكراسي، يشلها التوتر. رقصت تحية ثلاثة أرباع الساعة، مؤدية تأليفا طويلا ومتواصلا يتكون في معظمه من الدوران البطيء ومن إيماءات اليدين، فيما الموسيقى تعلو وتهبط بنغماتها المتجانسة، فتكتسب معناها لا من تكرارات المطرب أو تفاهة كلمات أغنياته، وإنما من أداء تحية النوراني والشهواني إلى حد مستبعد التصديق”.

في سياق آخر، يكشف سعيد عن علاقته باللغة العربية، أمه الأخرى “منذ ذلك الحين سحرتني أواليات اللغات بطريقة مغالية وأنا أتنقل تلقائيا في ذهني بين احتمالات ثلاثة. فحين أتكلم الإنكليزية، أسمع المعادل العربي أو الفرنسي للمفردات، وغالبا ما أنطقه. وحين أتكلم العربية، أسعى إلى المترادفات في الفرنسية والإنكليزية، فأحزمها تحزيما فوق كلماتي مثل حقائب مستفة على رف للأمتعة. فإذا هي موجودة ولكنها هامدة ومربكة نوعا ما.

”يقدم إدوارد سعيد نقدا صريحا للمؤسسة الأميركية التي تسعى إلى الهيمنة على الفرد”


والآن فقط، وقد جاوزت الستين، اشعر براحة أكبر لا في الترجمة وإنما في التحدث أو الكتابة في تلك اللغات، بطلاقة ابن البلد تقريبا، وإن لم يكن كليا. والآن فقط تغلبت على نفوري من العربية الذي سببه النظام التعليمي المنفر، وصرت أستمتع بها”.

عن العربي الجديد – حكيم عنكر

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *