المخرج نجيب بلقاضي: لم أنجز فيلم “في عينيا” عن التوحد بل عن حق الاختلاف

سميرة مغداد 19:29 - 14 ديسمبر 2018

نال فيلم “في عينيا” إعجاب الجمهور في مهرجان مراكش للفيلم الدولي مؤخرًا، في دورته السابعة عشرة ، حيث عُرض لأول مرة ضمن الأفلام المتبارية على جوائز المهرجان، والتي حظي بها بأحسن دور رجالي للممثل نضال سعدي. وهو الفيلم الذي تطرق لموضوع مرض التوحد بطريقة فنية وراقية، أعادت الثقة والتواصل بين أب أراد التملص من مسؤولياته تجاه طفله المريض، ومن خلال عودة هذه العلاقة نفهم كمشاهدين معاناة الأهل مع المرض، ونبني كمتفرجين علاقة خاصة مع الأب والابن من دون أن نستحضر السواد والمأساة.
سألناه :


*هل جاءت فكرة الفيلم عن أطفال التوحد عن سبق إصرار، بمعنى هل كنت قريبًا من معاناة هؤلاء الأطفال أم كانت الفكرة تلقائية؟
-في الواقع لم تكن لي علاقة مباشرة مع الموضوع، ويمكن أن أقول إنّ الموضوع اختارني ولم اختره، كنت أفكر في كتابة سيناريو فيلمي الجديد بعيدًا عن فيلمي السابق “باسطاردو”، وذات صباح فتحت النت على صور نشرها أحد المصورين الأمريكيين واسمه تيموتي اغشيبالك من سان فرانسيسكو، لابنه المصاب بالتوحد، التي التُقطت بحرفية وأثرت فيّ، وهي من أوحت لي بفكرة الموضوع، اختمرت الفكرة وبدأت أشتغل مع أطفال مصابين بالتوحد من خلال 15 حالة عاينتها مدة عام ونصف العام، بأحد مراكز التوحد بتونس، ووقفت على معاناة حقيقية، وعرفت أنّ حوالى 50 بالمئة من الآباء يتخلون عن عائلاتهم بسبب إصابة طفل بهذا المرض .

*الحقيقة شعرنا وكأنك معني بموضوع التوحد عند الأطفال، وفي الوقت نفسه لم يقدّم بشكل مأساوي بل لعله كان فيلمًا يتسم بالشاعرية ؟
-عندما قررت إنجاز الفيلم لم أشأ أبدًا أن أقدّم رؤية كلينيكية، ما كان يهمني هو العلاقات بين الشخصيات داخل الفيلم وبخاصة علاقة الأب بابنه المريض بالأساس، أردت أن أقدم نظرة واقعية عن المرض من دون السقوط في الميلودراما واستدرار دموع المشاهد، حتى الموسيقى لم استعملها كثيرًا كانت عبارة عن موسيقى طفيفة ، حرصت على التركيز على الحركات والصمت ونقل الإحساس من خلال الوجوه .

*حتى نهاية الفيلم لم تكن متوقعة، تركتَ المشاهد متعطشًا لمعرفة مصير الطفل المريض يوسف؟
-حينما عرضت الفيلم في تونس تساءل الجمهور أيضًا عن سر تلك النهاية التي ختمت بها الفيلم بواسطة ممثلة ثانوية وهي خالة يوسف . شخصيًّا أردت أن تكون نهاية مفتوحة على كل الاحتمالات، ما كان يعنيني هو أن تعود العلاقة بين الأب والابن ويحصل التصالح والانفتاح، للأسف ذوق الجمهور تغيّر، بل أصبح نمطيًّا بسبب تخمة المسلسلات التركية والمصرية والمكسيكية، غالبية المخرجين يفتحون كل الأبواب في الحبكة الدرامية ويقفلونها مرة واحدة أو العكس ، شخصيًّا أفضّل أن أترك للمشاهد أن ينسج النهاية التي يريدها، بعد أن أحلّ عقدة الفيلم، ليست مهمتي أن أجيب على الأسئلة .

*لكن ماذا عن مسارك، كيف درست التجارة والتسويق لتصبح كاتب سيناريو ومخرجًا؟
-فعلًا دراستي لا علاقة لها بما أقوم به الآن. ولعل ولعي بالفن السابع بدأ من حبي للقراءة والأدب في صغري، حيث إنني بدأت الكتابة في مراهقتي وكنت قارئًا نهمًا للكتب والمؤلفات، التي ورثناها من جدي لوالدتي، الشاعر المعروف أحمد حسن خير الدين رحمه الله، كانت لنا مكتبة كبيرة، وكنت الوحيد من بين إخوتي الذين يقضون جلّ وقتهم في القراءة، ومن هناك بدأت علاقتي بالكتابة .

* وماذا عن دبلوم التجارة، هل تركته كصمام أمان للمستقبل ؟
-أبدًا لم أفعل به شيئًا، حينما حصلت عليه أهديته لوالدتي .درست من أجل الدبلوم فقط، أو لعله كان سببًا غير مباشر لأقتحم عالم السينما، فبمحض الصدف أنّ المدرسة العليا التي كنت أدرس بها في قرطاج، نادت على مجموعة من الطلبة ليلعبوا دور كومبارس في أحد الأفلام الفرنسية ، وهناك التقيت مدير كاستينغ لفيلم سلمى بكار “رقصة النار”، وكان لي حظ اختياري للعب دور رئيسي في الفيلم من بين 200 شاب رُشّحوا للدور .هنا بدأت علاقتي بعالم السينما والكاميرا التي أثارت انتباهي، وأُعجبت بكواليس عالمها الفريد، بخاصة وراء الكاميرا، رأيت نفسي أكثر هناك. عام 99 أنجزت حصة تلفزيونية اسمها “شمس عليك”، كانت تجربة لمدة عامين تعلمت منها الكثير، وفيها وجدت أنّ الكاميرا أحسن تعبير من التمثيل، وجددت علاقتي بالكتابة التي أترجمها في الكاميرا .

*كيف استطعت إيجاد يوسف الطفل المصاب بالتوحد، وهل هو فعلًا مريض في الأصل كما يشاع؟
-أبدًا هو طفل عادي جدًّا اسمه إدريس خروبي، والطفل محور أساسي في الفيلم وأخافني هذا الدور بالذات وأرّقني، لكني وقعت على ضالتي لمّا التقيت إدريس، وهو طفل موهوب وشخصية فريدة بشعره الطويل الذي يصرّ على أن يبقيه كذلك.عثرت عليه من خلال إعلان على الفيسبوك، حيث اتصلت بي والدته واخترته من دون تردد، لتفاعله الكبير مع كل التوجيهات وتركيزه على شخصية طفل التوحد .

*شعره الطويل ترك انطباعًا مختلفًا عند المشاهد، واعتقد أنه بنت وليس ولدًا ؟
-حتى شعره الطويل وظفناه في سياق شخصية الطفل المريض بالتوحد .لا هو طفل متميز ومختلف أبهرني كمخرج، وهو مصر على مظهره بالشعر الطويل، ولعل الفيلم ككل يقدم رسالة شاملة عن حرية الاختلاف من دون أن يحق لنا أن نكون عدوانيين.

*هل سبق له أن مثّل قبل هذا الفيلم؟
– لا أبدًا.. إنه أول دور له.

* أنت أيضًا موهوب في السينما ولم تدرس الإخراج أو السينما؟
-شغوف جدًّا بعالم السينما والكتابة كما شرحت من قبل ، تكونت من خلال العمل الميداني والاجتهاد. كونت نفسي بنفسي ولا زلت أتعلم كل يوم.

*هل تتوقع أن تحظى بجائزة، بخاصة وأنّ تفاعل الجمهور كان متميزًا وصفّق للفيلم طويلًا؟
-هذا ما يهمني ويشرفني. الفيلم استطاع أن يثير إعجاب المتفرجين، أتمنى أن يحصل الفيلم على الجائزة، فهو اعتراف ينتظره أيّ مخرج مشارك في المسابقة.

*ماهو الهاجس الحقيقي الذي يؤرقك كسينمائي؟
-تمويل الأفلام هاجس حقيقي لكل مخرج.لا تنقصنا الأفكار والقصص فلدينا خزان لمئة عام أخرى. البحث عن مصادر تمويل الأفلام هاجس كبير جدًّا، رغم أنّ لدينا حظًّا في تونس، أنّ المركز السينمائي يمول 35 في المئة، والمغرب أيضًا يموّل الأفلام، لكن بقية التمويل يجب أن تبحث عنه بإمكاناتك الخاصة . نعيش عصر تطور رقمي مهول بخصوص الكاميرات، وهذا يخلق منافسة قوية بين المخرجين.

*هل تأثرت بمخرجين معيّنين؟
-التأثير ضروري أن يحدث ولو بشكل غير مباشر وبلا وعي أحيانًا. أنا معجب جدًّا بالمخرج الألماني الراحل فريتيس لونغ، والإيطالي مارتن سكورسيز، والروسي كاركوفسكي .

*هل للمخرج رسالة معيّنة؟
-أعتقد أنّ الفن لا يغيّر العالم ، لكنه يساعدنا أن نفهمه. وهذا يظهر من تاريخ الفن، فهو يفتح لنا مجالًا لكي نعيش فيه ولنتحمّله. وهو وسيلة للوعي .لا أحب كلمة رسالة وأفضل أن أقول إنّ المخرج يقدّم وجهة نظر لا غير. والفن عمومًا يصبح في العموم مؤثرًا حينما يخدش ويكشف ويجرح، وفي تقديري الفنون التي خرجت عن المألوف هي التي ساهمت في تطوير المجتمعات .

*وماهو فيلمك المقبل؟
-هي فكرة مازالت تختمر في ذهني، وتتعلق بفكرة الحب المنكوبة بالكره، سأتطرق للحب كقيمة في حياة الإنسان ومجتمعاتنا، التي للأسف لا تعرف معنى الحب.

*هل يمكن أن تنجز فيلمًا تحت الطلب وتتوافر فيه كل الإمكانات؟
-لم يسبق لي أن فعلتها . لكن إن عُرضت عليّ الفكرة وتُركت لي حرية التصرف لِمَ لا ؟ من دون أن أبيع نفسي للشيطان كما يقال . أومن شخصيًّا أنّ ثمة أمورًا أهم من التقنيات العالية والمال والنجومية، وهي الصدق، ولم أفرّط فيه يومًا ولن أفعل. السينما عمل إبداعي يتطلب الصدق أولًا وأخيرًا.

*كيف تعبّر في جملة، عن السينما العربية؟
-ليست لنا سينما عربية بعد. ثمة محاولات واجتهادات من عدد من البلدان كالمغرب ومصر، ودول الخليج والسودان وغيرها. أحلم فعلًا أن تكون أفلام عربية -عربية ونتجاوز حاجز اللهجات.

*أخيرًا كيف تفضل أن تقدّم نفسك لقراء سيدتي؟
– نجيب بلقاضي مهنتي مخرج هوايتي التمثيل.

*شعارك في الحياة والسينما؟
– كن كما لا يريدك الآخرون أن تكون.

عن سيدتي

تصوير ـ محمد بلميلود

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *