طارق البخاري ولد الشعب بامتياز

فؤاد زويريق 12:29 - 16 مارس 2020

صور لنا فيلم تايتنك مشهدا من بين أجمل المشاهد وأعمقها، وهو مشهد الفرقة الموسيقية التي كان دورها طيلة الرحلة تسلية ركاب السفينة والترفيه عنهم، دور تحول فجأة في نهاية الأحداث وفي خضم الصراع المميت من أجل البقاء، الى عنصر أساسي في طمأنة الناس والرفع من معنوياتهم، فرغم الفوضى التي احاطت بهم من كل جانب ورغم إدراكهم بأن الموت مصيرهم إلا انهم استمروا في مواساة الناس بمعزوفاتهم حتى آخر رمق، لم يهربوا ولم يتخلوا عن دورهم بل تشبثوا بآلاتهم الى أن اختفوا تحت الماء.

على ظهر نفس السفينة والى جانب هذه الفرقة الموسيقية يتواجد رجل دين ايضا، لم يهرب بدوره ولم يغادر بل بقي بين الناس متشبثا بالدعاء والصلاة كأمل قد يتحقق وقد لا يتحقق، لا شك أن الكل يعرف ان قبطان السفينة بحكم عمله ومسؤوليته عليه ان يكون آخر المغادرين أو يموت وهو يؤدي واجبه، لكن فناني السفينة ورجل الدين لن يحاسبهم أحد إن غادروا لكن مع ذلك اختاروا طواعية ان يموتوا وهم يؤدوا واجبهم.

صحيح أننا في أزمتنا هذه التي نعيشها الآن لا نصارع أمواج البحر، لكننا فعليا نتواجد داخل سفينة مميتة نصارع من على ظهرها أمواج وباء خطير حصد الكثير من الأرواح، وهو مايستدعي منا التعبئة العامة وحشد القوى وكل ما تيسر من أدوات للتغلب عليه، ومن بين هذه القوى الفنان ورجل الدين أيضا، فلا ننسى ان من بين أكثر الفئات التي تؤثر في مجتمعنا هذان الاثنان، صحيح ان الدولة قامت بواجبها في اطلاق حزم من التدابير ولتنفيذها بشكل فعال تحتاج الى استيعابها من طرف المواطن، وهذا دور القوى الناعمة من مثقفين ومجتمع مدني وفنانين ورجال دين… الكثير من فنانينا تراجعوا الى الوراء واختاروا الصمت، بل منهم من لم يعر الأزمة اهتماما واستمر -وكأن شيئا لا يحدث- في نشر صوره وتدويناته السطحية الفارغة التي تعبر عن تفاهته وعدم وعيه بما تمر به الانسانية، وفي المقابل هناك القليل منهم من تماهى مع المجتمع في محنته وآثر استغلال شهرته وشعبيته في توعية المجتمع ولو بوسائله البسيطة، التي تبقى رغم بساطتها مهمة وفعالة خصوصا في هذه الظرفية التاريخية التي نعيشها.

من بين هؤلاء الممثل طارق البخاري الذي أقدره وأحبه فنيا وانسانيا رغم اني لم ألتق به يوما، وتقديري له ينبع من كونه فنانا متواضعا لا ينفصل عن مجتمعه، فمهما وصل من شعبية يبقى في الأخير (ولد الشعب) بامتياز، فبالاضافة الى موهبته في مجال التشخيص التي لن ينكرها سوى غيور أو حاقد، يُظهر من وقت الى آخر أنه ابن هذا البلد وابن هذا الشعب يخالطه في افراح واحزانه، ويندمج معه ويشاركه في أزماته، راقني ما يفعله هذه الايام من كتابة تدوينات على صفحته وتصوير فيديوهات توعوية خاصة بفيروس كورونا وبدون طلب أو دعم من اية جهة، مبادرة انسانية شخصية تحسب له، يبحث بنفسه عن المعلومة ثم يشاركها مع جمهوره ومعجبيه وحتما هؤلاء سيشاركونها مع احباهم وعائلاتهم وهكذا دواليك، فيديوهات بسيطة وبلغة يفهمها الكل.

طارق البخاري أدرك دوره كفنان له جمهوره، وبنى جسرا معه يؤدي من خلاله مهمته في الحياة كفنان مسؤول لا كمجرد قالب جميل الشكل محشو بفراغ، اتمنى لطارق الاستمرار فيما يفعله، واتمنى ايضا من زملائه ان ينخرطوا في توعية الشعب ويرفعوا من معنوياته بدل انتقاده وألا ينفصلوا عنه، فالبلد تحتاج اليهم هذه الأيام كما تحتاج الى الأطباء والممرضين… لما لهم من شعبية وتأثير، لا نطلب منهم أن يضحوا بأنفسهم ويغرقوا كموسيقيي تايتنك، عليهم فقط ان يتطوعوا بكتابة كلمات بسيطة أو تصوير فيديوهات تحسيسية وتوعوية ومشاركتها وهذا أضعف الإيمان.

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *