نيويورك تايمز: المغرب يقود قمعا عنيفا ضد المهاجرين

متابعة 11:47 - 24 أكتوبر 2018
في إطار حملة قمع معممة، يواجه المهاجرون من جنوب الصحراء اعتقالات تعسفية، وعمليات إبعاد إلى مناطق بعيدة، ومؤخرا إلى عمليات ترحيل إلى بلدانهم، حسب المدافعين عن حقوق الإنسان.
المدافعون عن حقوق الإنسان يقولون إن هذه الحملة، التي اعترفت بها السلطات، بدأت هذا الصيف بتنسيق مع اسبانيا والاتحاد الأوروبي من أجل الحد من تدفق المهاجرين إلى أوروبا. بينما تقول الحكومة المغربية إنها تستهدف المهاجرين غير الشرعيين فقط وتهريب البشر.
ووفقا للمدافعين عن حقوق الإنسان فقد بدأ القمع في يونيو، وازدادت حدته نهاية يوليوز بعد أن عبر ما لا يقل عن 600 مهاجرا الى سبتة شمال المغرب.
بعض المهاجرين من جنوب الصحراء الذين يتوفرون على بطاقات إقامة قانونية، وصفوا هذه الحملات الكثيفة التي اقتيدوا فيها على متن حافلات الى مدن تبعد بمئات الكلمترات جهة الجنوب، ولا يحملون معهم إلا الثياب التي يرتدونها،
أحد هؤلاء يدعى “عبدلاي، ن”، وهو مهاجر سنغالي يبلغ من العمر 31 سنة، طلب الا يكشف الا عن اسمه الشخصي مخافة الانتقام، على غرار باقي المهاجرين الذين قابلتهم اثناء إعداد هذا المقال.
فبل أربع سنوات استقر في مدينة تطوان، على ضفة البحر الأبيض المتوسط، حيث حصل على بطاقة الاقامة، وبدأ يندمج شيئا فشيئا في المجتمع المغربي. كان يبيع المجوهرات الرخيصة في السوق ويرسل المال إلى عائلته. كان متحفظا للغاية.
ورغم ذلك، ذات صباح من بداية الشهر الماضي، اقتحم خمسة من عناصر الشرطة بيته الذي كان يتقاسمه مع مهاجريْن آخرين، وأوقفوهم. في البداية  أبلغوهم أن الحملة تندرج ضمن عملية تروم التأكد من وثائق الإقامة، وبعد ذلك بساعات وجدوا أنفسهم في حافلة تقلهم في رحلة ليلية على طول 600 كيلومتر إلى مدينة تزنيت الصحراوية.
ووفقا للمدافعين عن حقوق الانسان فإن هذه الواقعة أبعد من أن تكون واقعة معزولة لأنها تتوافق مع مئات من الشهادات الأخرى، حتى صار العديد من المهاجرين يخافون من الايقاف والإبعاد، بل ويخافون حتى من البقاء في منازلهم.
وفي هذا الصدد قدرت “كاديم” ( مجموعة مناهضة العنصرية والدفاع عن حقوق المهاجرين والأجانب)، وهي هيئة حقوقية تتخذ من الرباط مقرا لها، عدد المهاجرين الذين تم إيقافهم وتنقيلهم منذ بداية الحملة بحوالي 6500 مهاجرا.
من جهة أخرى تفيد الهيئات الحقوقية أن الحكومة بدأت ترحل بعض المهاجرين الى بلدانهم الاصلية خيث وصل عدد المرحلين إلى حدود شهر سبتمبر 91 مهاجرا، منهم ستة قاصرين. ووفقا لتقرير أصدرته “كاديم” مؤخرا فإن 37 آخرين ويجدون رهن الاعتقال التعسفي، العديد منهم تم إيقافهم وهم يرتدنون قمصانا صيفية، وباتوا الآن يعانون مع حلول الليالي الباردة.
تقرير “كاديم” حول ترحيل المهاجرين إلى بلدانهم تم تأكيده من طرف الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، التي نشرت فيديوهات تظهر مجموعات من المهاجرين تم اقتيادهم إلى المطار وتم ترحيلهم.
الجمعية المغربية لحقوق الإنسان في الناظور وعدد من الهيئات الاخرى أشارت إلى الاعتداءات التي تمارس في حق المهاجرين. ذلك أنهم، كأجانب، لم يلقون اي ترحيب من طرف السكان المغاربة الذين ينظرون إليهم كمستفيدين من الدعم العمومي في دولة لا تستطيع أن توفر التطبيب ومناصب الشغل لمواطنيها.
القمع الذي يطال المهاجرين في المغرب طال مواطنيه أيضا. أواخر شهر سبتمبر الماضي أطلقت البحرية الملكية النار على شابة وقتلتها وهي على متن قارب يحمل العديد من المهاجرين الذين يحاولون العبور نحو اسبانيا بطريقة غير شرعية. السلطات المغربية تقول انها أطلقت النار بعد أن رفض القارب التوقف، ولكن بعض المنظمات غير الحكومية شككت في هذه الرواية.
طيلة سنوات، كانت غالبية المهاجرين الذين يريدون الذهاب إلى أوروبا يمرون عبر ايطاليا واليونان. ولكن، بعد أن اغلقت أمامهم هذه الأبواب، توجهوا نحو اسبانيا، التي بلغ عدد المهاجرين غير الشرعيين فيها 46623 هذه السنة، وهي بذلك أول وجهة للمهاجرين القادمين من إفريقيا.
أكيد ان هذه الأرقام قليلة جدا قياسا بالمليون مهاجر الذين وصلوا إلى أوروبا سنة 2015، ولكنها تضاعف ثلاث مرات عدد المهاجرين الذين وصلوا إليها سنة 2016، ما أدى إلى تزايد الضغوط السياسية المناهضة للمهاجرين في إسبانيا.
في السابق كان الملك محمد السادس يفتح أبوابه أمام المهاجرين، ولكنه “رغم هذا الدعم المزعوم كان المهاجرون يبدون كما لو أنهم يوظفون كوسيلة للحصول على التنازلات من أوروبا” على حد تعبير “إيلينا مالينو غارزون”، المناضلة الحقوقية ومؤسسة منظمة “ووكين بوردرز”، التي ترى أننا “حاليا بصدد “شيئ من هذا القبيل” مشيرة إلى برنامج المساعدات بقيمة 275  مليون دولار الذي صادق عليه الاتحاد الأوروبي الشهر الماضي، والموجه فيما يبدو الى الخدمات الأساسية وخلق مناصب الشغل.
وزير الخارجية المغربي، ناصر بوريطة، اعترف بالقمع، وقال إن الهدف منه هو محاربة الهجرة غير الشرعية وتهريب البشر. كما نفى بشكل قاطع أن تكون أوروبا هي التي تملي على المغرب سياسته تجاه الهجرة.
وشدد في هذا الصدد ان “المغرب لا ولن يلعب أبدا دور شرطي الاتحاد الأوروبي” قبل أن يضيف قائلا: “ان ما يسمونه “ترحيلا” نحو البلدان الاصلية، يتم في احترام للقواعد، كما أن سفارات الدول الافريقية تشارك في عملية الاختيار وتحديد الهويات”.
ومع ذلك فإن المحللين يرون أنه ما من شك أن الحكومتين (المغربية والاسبانية) تتعاونان بشكل كبير لتدبير المسألة.
في هذا الصدد قال “هيزم اميراه فرنانديز”، كبير المحللين في المعهد الملكي “فلانكو”، وهو معهد للأبحاث حول السياسات العمومية في مدريد : “هناك تواصل مكثف ودائم على جميع المستويات بين المسؤولين المغاربة والاسبان حول المواضيع الراهنة: الامن والهجرة والتنسيق وغيرها”.
وأضاف أن “التأويلات تختلف باختلاف الجهة التي تتحدث إليكم” مبرزا أنه “عندما يرتفع عدد الوافدين فإنها رسالة تبعها لنا السلطات المغربية مفادها أنها غير راضية لهذا السبب أو ذاك”.
خلال إحدى زياراتها الى الرباط قالت “كونسويلو رومي”، كاتبة الدولة الإسبانية في الهجرة : “ان إسبانيا مستعدة للعب دور  “صوت المغرب في الاتحاد الأوروبي” لمساعدة المغرب على الحصول على دعم مالي مهم لوقف الهجرة”. كما أعلنت أن حكومتها ستعمل على تسوية وضعية 200 ألف مهاجراً مغربياً في إسبانيا.
 كيفما كانت مبررات القمع، فإن الهيئات المدافعة عن حقوق الإنسان شجبته؛ “كاديم” تقول إن العديد من المهاجرين مثل “عبدلاي” لم يكونوا على علم أنهم يخضعون للابعاد حتى وجدوا أنفسهم على بعد مئات الكيلومترات من منازلهم، وأن الكثيرين منهم تعرضوا لمعاملات قاسية، وتم تكديسهم في غالب الأحوال حتى أن بعضهم حرم من الذهاب إلى المرحاض لمدة ساعات.
كما نشرت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان فيديوهات وصور تظهر السلطات المغربية وهي تكدس أشخاصا من ذوي البشرة السوداء في حافلات في طنجة تطوان والناظور وتنقلهم إلى الجنوب. كما أن روبورتاجات محلية نقلت صورا لتعنيف الشرطة للمهاجرين.
وقالت هيبة مريف، مديرة منظمة العفو الدولية في شمال إفريقيا والشرق الأوسط في بيان لها “من الصادم أن نرى أطفالا صغار من بين الذين تعرضوا لهذا العقاب العنيف، إلى جانب المطالبين باللجوء واللاجئين الذين يحظون باعتراف الأمم المتحدة، فضلا عن مهاجرين يتوفرون على بطاقة إقامة”.
 وحسب العديد من المنظمات فإن عدد المهاجرين من أصول إفريقية جنوب الصحراء في المغرب يناهز 70 ألف شخصاً، رغم أنه من الصعب التأكد من هذه الأرقام. تمت تسوية وضعية 24 ألف منهم خلال حملة التسوية لسنة 2014، و 28400 سنة 2017.
“عبدلاي، ن” كان يعتقد أنه واحد من الذين استفادوا من هذا البرنامج قبل إيقافه.
وقال إن “حملة تسوية الوضعية لا فائدة منها. نتوفر على بطاقات الإقامة ورغم ذلك أبعدونا. في البداية تركونا في أمان، في الشوارع وفي الأسواق. والآن يمنعوننا من العمل، سواء كنا في وضعية شرعية أو غير شرعية”.
المنظمات الحقوقية تقول ان بعض الأشخاص لقوا مصرعهم أثناء حملات الترحيل، وفي غالب الأحوال في ظروف غامضة”.
وتفيد الجمعية المغربية لحقوق الإنسان أن “شخصا من مالي يبلغ من العمر 16 سنة، وآخر يكبره سنا من غامبيا، وجدا ميتين، مصفدي اليدين، قرب مدينة القنيطرة، ويبدو أنهما سقطت من إحدى الحافلات”.
“إنها خطوة كبيرة إلى الوراء” تقول “مولينو كارزون” التي تعيش في طنجة منذ أزيد من 15 سنة، قبل أن تضيف أن “المغاربة عندما يرون السلطات توقف هؤلاء المهاجرين، يعتبرونهم مجرمين، وهذا يغذي العنصرية وكره الأجانب”.
وهذا ما ينتج عنه الحقد تجاه المهاجرين، شرعيين كانوا أم غير شرعيين. الكثيرون منهم يقولون إنهم لا يخرجون إلى الشارع الا جماعات لكي يستطيعوا الدفاع عن أنفسهم. وفي هذا الصدد تقول “بيغالي” من أصول إيفوارية تبلغ من العمر 39 سنة “حتى في اماكن العمل لا نشعر أننا في أمان”. وأضافت قائلة “اولادنا مرعوبون. لا نستطيع الذهاب الى محل البقالة دون ان نخشى من ان نتعرض للتعنيف”.
وقالت “باتريسيا” من ساحل العاج ” هناك فرق كبير بين الخطاب الرسمي والواقع. نرى أن الملك يريد أن نحصل على حقوقنا، وهو ما لا تسهله السلطات هنا”.
عايدة علمي، ترجمة سعيد السالمي
* روبورتاج مدريد أنجز بمشاركة رافاييل ماندر.
اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *