آيت إيدر الذي يكره “الطهرانية”

محمد أحداد 12:46 - 7 يناير 2019

الجزء الأول من مذكرات أيت إيدر لا يشبه مذكرات اليازغي، أحرضان، الصنهاجي ولا حتى اليوسفي. أسلوب سلس، ومعطيات واضحة، وتسلسل كرونولوجي متين، وفوق ذلك لا تحس بتلك الأنا الطاغية تسيطر على مجرى الأحداث، ولا تحس إطلاقا بروح الملائكة والطهرانية في مساره الحياتي والسياسي، فهاهو يحكي عن عائلته الغنية دون أن يخشى من كليشيهات الآخرين، ثم يتحدث عن هزائم جيش التحرير في “أدرار” وفي “إيكوفيون” دون مركب نقص، ويفسر ذلك بالخيانات من الداخل. الحقيقة ثورية عند آيت إيدر، ولا يحتاج القارئ مجهودا خارقا كي يكتشف ذلك، خاصة في الجزء الخاص بتاريخ جيش التحرير في الجنوب، فلا يتوانى في اتهام أعضاء من الجيش نفسه بتغليب المصالح الشخصية.
ثم إن “الأمازيغي” لم يحول مذكراته إلى حفلة للتمجيد الشخصي، بل إنه رسم بورتريهات لأجزاء كانت غامضة من شخصيات وطنية مثلما فعل مع المختار السوسي وعبد الرحيم بوعبيد.. إنه يرى تاريخه مشتركا مع الآخرين..
قبل بنسعيد آيت إيدر، أثبتت التجربة أن اليازغي مثله مثل أحرضان وبوعبيد واليوسفي، يتحدثون عن نصف الحقيقة ويتركون النصف الآخر كي تؤوله الدولة كما تريد. الدولة تستحوذ على الحق في فهم التاريخ وتفسيره، ليس لأنها الطرف المنتصر، وإنما لأن الطرف الآخر، الذي كان معولا عليه أن يسرد ما جرى، آثر الصمت.
حينما تقرأ مذكرات السياسيين تحس بأن ثمة تواطؤا جماعيا غير معلن من أجل الإخفاء والبتر والحذف، وكأنه سر كبير في ما يرتبط ببعض الأحداث، مثلما فعل اليازغي وهو يتهرب من الجواب عن سؤال زميل صحفي عن مناورات إدريس البصري في حكومة التناوب للحد من تأثيرها في قضية الصحراء.
وحينما أعلن بودرقة أن اليوسفي سيفرج أخيرا عن مذكراته، كان سقف الانتظار عاليا جدا بالنظر إلى أهمية وغزارة الأحداث التي كان جزءا منها، عايشها وانخرط فيها، وبالأخص في فترة حكومة التناوب، إحدى اللحظات الحاسمة في تاريخ المغرب الجديد.
الانتظار كان سياسيا ونفسيا في الوقت نفسه.. سياسيا، لأن الرجل عايش لحظات دقيقة من حكم ملكين مختلفين، وقاد مرحلة انتقال العرش من الملك الراحل الحسن الثاني إلى الملك محمد السادس. وبعد أن حادت الدولة عن “المنهجية الديمقراطية”، اختار أرض الله الواسعة.. ثم صمت، ونفسيا لأن اليوسفي خلق حالة من الترقب لدى الجميع: فهو لم يرد على منتقديه ومهاجمي تجربته الحكومية، وعلى شخصه أيضا، رغم أن الانتقادات كانت قاسية جدا، وكان يعتذر إلى الصحافيين بابتسامته الهادئة.
كسر اليوسفي “طوق الصمت” الذي لازمه لسنوات عديدة، ولم ينس أن يذكر محاوره، عباس بودرقة، بأنه يحكي فقط شذرات أو مقتطفات من مساراته الحياتية من تاجر سلاح معارض وسياسي يريد التغيير بالممارسة السياسية إلى رئيس حكومة قابل بمواضعات “العهد الجديد” والتناوب الذي لم يكتمل. من الواضح أنه جرى الاتفاق على الإطار العام لهذا البوح الطويل الذي تعرض لكثير من الهجوم، وعلى ألا تتعدى الأجوبة هذا القدر من “الجرأة”.
مع كل المساحات الفارغة والأجوبة المقتضبة وبعض التلميح، يجب أن نصيخ السمع لعبد الرحمان اليوسفي.
مذكرات اليوسفي جاءت مباشرة بعد إصدار مذكرات لقيادي اشتراكي آخر هو عبد الرحيم بوعبيد. وإذا لم يكن ممكنا أن نتحدث عن تزامن مقصود، فإن “الحكي” كان متشابها في المقاصد مع فرق جوهري يتمثل في أن بوعبيد كان أكثر تدقيقا للمرحلة التي سبقت استقلال المغرب والسنوات الأولى من نيل الحرية فيما اليوسفي آثر أن يكون أكثر “شذرية” واختصارا..
اليوسفي لم يكن لديه ما يخسره لقول كل شيء، كما أن بوعبيد لم يكن لديه ما يخسره ليبوح بكثير من الأسرار حول البدايات الأولى للاستقلال، واليازغي بدوره ليس لديه ما يخسره بعد كل هاته السنوات ليقول الحقيقةّ، أو ما يشبهها على الأقل.. لنقل إن آيت إيدر أسس لجيل جديد من السِّيــَر السياسية بعيدا عن البتر والحذف والانتقاء..

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *