أحكام الحراك كانت قاسية، هذه قناعة لا تحتاج إلى استدلال

محمد أحداد  22:37 - 29 يونيو 2018

رهان الدولة على القوة سواء بقمع الاحتجاجات أو محاكمة مئات معتقلي الحراك الشبابي لاحتواء دينامية الاحتجاج بالحسيمة لن يفضي سوى إلى مزيد من العنف ومزيد من ترسيخ الأحقاد وإحياء جروح تاريخية تطبع العلاقة بين الدولة والريف.

قد نفهم أن الدولة تحتاج إلى مساحة كي تتنفس فيها، لتفكر بعيدا عن الضغط، لكن هذا لا يبرر على الإطلاق ما قامت به لأنها تتوفر على أجهزة ومؤسسات تسمح بأن تتخذ القرارات الصحيحة حتى في أشد اللحظات السياسية دقة وحساسية، بيد مجرى الأحداث يثبت أنها راكمت قدرا كبيرا من الأخطاء كان في أحايين كثيرة يمكن تجنبها بسهولة بالغة، فبداية بالتدخل العنيف يوم عيد الفطر مع الجروح التي تركتها في نفوس الساكنة، ومرورا بتسريب فيديو الزفزافي عاريا من ملابسه ووصولا إلى قرار منع مسيرة 20 يوليوز واستعمال الغاز المسيل للدموع بكيفية غير معهودة وإنزال أحكام ثقيلة على المعتقلين ومحاكمة القيادات بمدينة الدار البيضاء، يحار المتتبع في فهم سلوك الدولة علما أنها تدرك جيدا أن المزاج الجماعي للمنطقة كان دائما، بفعل عوامل الجغرافيا والتاريخ كذلك، ميالا للصدام مع السلطة المركزية لكن لم يكن يوما راغبا في إلغائها..

كان عالم الاجتماع بول باسكون دقيقا جدا حينما قال إن صراع منطقة الريف مع قساوة الجغرافيا قد يفسر هذا الطبع”الصلب والمتعنت”- إذا جازت الترجمة- لساكنة المنطقة. انتبه باسكون، وهو يدرس منطقة بني بوفراح-تنتمي لنفس الإقليم- أن الحياة عند أهل المنطقة محكومة بثنائية غير قابلة للتعديل “السلام/ الثأر، الأسود، الأبيض، التعايش، القطيعة” بمعنى آخر لم تكن هناك منطقة رمادية قد تؤلف هاته المتناقضات، وهذا بالتحديد ما لم تفهمه الدولة: تريد حل مشكل جغرافي وتاريخي بالعصا.

بإمكان أي موظف في وزارة الداخلية أن يقرأ الدراسة الثمينة التي قام بها دافيد هارت عن قبيلة آيث ورياغر، تاريخها، قوتها وضعفها، تناقضاتها وتناحراتها، وبإمكانه كذلك أن يقرأ كتاب أوجيست مولييراس “المغرب المجهول، اكتشاف الريف”- رغم نفحته الكولونيالية-، وقد يقرأ كتاب كيرلي عن بقيوة الذي ترجمه الأستاذ عبد المجيد عزوزي، على الأقل كي يفهم هذا الجهاز الذي يدبر “حراك الريف” خصائص هذه الجماعة البشرية ومزاجها الجماعي لا أن يكون خيار العصا”أعمى”.

كان بالإمكان أن يكون مشكل الحسيمة مشكلا اجتماعيا عاديا لو أن الدولة تحلت بأدنى حد من العقلانية. وكان بالإمكان أن لا تستنزف كل هذا الجهد الاقتصادي والسياسي والأمني الذي أفضى إلى خدش صورة المغرب الحقوقية وإلى تقويض مفهوم المصالحة مع الريف لكن تجربة الاحتجاج كشفت تناقضات صارخة ومقلقة وأحدثت ارتجاجا داخل بنية السلطة وبينت إلى أي مدى تفشل الدولة بكل إمكانياتها وأجهزتها في تدبير قضية كانت تستلزم فقط الإصاخة إلى نبض المحتجين.
ما الذي حصل حتى نصل إلى هذه الورطة الجماعية وإلى اعتقال العشرات من الشباب الذين قذفت بهم ظروف الحياة القاسية إلى الشارع؟

الحكاية بدأت بالتحديد يوم استفاق العالم على صورة مفجعة تظهر بائعا للسمك يتحدى قرار السلطة بالحجز على سلعته بيد انه كان تحديا من نوع خاص. صعد إلى حاوية الأزبال قبل أن يطحن دفعة واحدة. كان المشهد مريعا جدا وقلب مواجع تاريخية كثيرة ما تزال تغذي الذاكرة الجماعية لأهل المنطقة وما كان غضبا يعتمل في النفوس تحول في ظرف أيام قليلة فقط إلى دينامية احتجاجية انضمت إليها شرائح الطبقة الوسطى وجزء كبير ممن كانوا قد استكانوا إلى الصمت لمدة طويلة. كان المزاج سيئا وكان الاحتقان في عيون المحتجين مشتعلا لا يحتاج إلى دليل وكانت قيادات شابة تصعد بشكل سريع وكانت الدولة حائرة جدا إلى درجة أن قرار التدخل اتخذ مرات كثيرة قبل التراجع عنه.

أخطاء الهواة في تدبير الملف ليست بحاجة إلى الكثير من النباهة فبلاغ الأغلبية الحكومية “الغبي” و السماح للمحتجين بالبقاء في الشارع لمدة سبعة شهور كاملة دون أن تتوفر الدولة على آلية واحدة لفتح الحوار مع قيادات الحراك مهما كان خطابها يعني ان عددهم يكبر وحجم تاثيرهم يتسع وقدرتهم على التأطير تكبر كذلك.
الملف لم يغلق بعد، ونتمنى أن تنتصر شرعة العقل على منطق “العصا” “حتى لايتكرر ما جرى”..شعار هيئة والمصالحة والإنصاف لمن يريد أن ينسى.

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *