أرجوج

سميرة مغداد 15:34 - 11 مايو 2020

فتحت عيني على الدنيا في الريف .عشت ردها من الطفولة بين القرية والمدينة التي كنا نسكنها وهي الحسيمة او” بيا “كما كنا نطلق عليها .في القرية أو الكامبو ،وهي الكلمة الاسبانية التي كان يتداولها الجميع للبادية ،عششت الذاكرة بين جبال القرية وحقولها وقفارها ،لم يكن شيء يذكر في قريتنا يغري طفولتنا ، بيت جدي البدوي المفتوح على السماء،شيد فوق ربوة يحطيها مقابر وتطل على فضاء واسع يتراىء فيه انبساط تحتضنة جبال تحميه محاط بالتين وشجيرات اللوز ودالية عنب وسط الدار وخارجه .لكن مع ذلك الكامبو” النائي المقفر فيه لحظات سعادة لا تنسى ، لأنه ارتبط بالعطل المدرسية والصيفية حيث نلتقي ابناء العائلة المصيفين من اوروبا او من الحسيمة وطنجة والنواحي .حين كنت صغيرة لا اتذكر البحر وايامه في الحسيمة، لان الامر لم يكن متاحا للذهاب الى الاستجمام وسط مجتمع محافظ جدا. اتذكر الحسيمة بنوافذها المغلقة واختباء نساءها وحجبهن بالداخل. كلشيء كان يأتي للبيت حتى شراء الملابس الداخلية كان يتم داخل البيت ،الرجل رب الاسرة من يحمل كل مانحتاجه ، وكانت النساء سيدات البيوت يمارسن الطبخ والتسياق والعجن والخياطة وحتى تربية دودة القز احيانا كما علقت بذاكرتي .
في الريف بقريتنا بني يطفت نكهة شجن خاصة، كنا نرقب الذاهبون الى السوق الاسبوعي على دوابهم، ويوم السوق يوم استثنائي تعد له العدة ليلة الاحد ،كان جدي يفيق مع الفجر دائما ينتهي من صلاته ويستقل حماره ليأتي ظهرا محملا بما تيسر من لحم وسمك الشطونالبوكورونيس ، بينما جدتي تعد طاجين البطاطا ومرق حزينة بالطماطم المشوية والفلفل الحار الذي “يزبر “كما كان يقال.

القيلولة كانت مقدسة خاصة في ايام الحر في غشت نضطر نحن ايضا كأطفال ان نغمض عيوننا وسط جو حار وعلى انغام تلك الحشرة المزعحة التي تسمى ارجوج الذي علمت بعد سنوات أنه هو الصرار شخصيا باللغة العربية بصوته المزعج الأليف، كانت جدتي تقول عنه انه يصرخ من صهد الحر ايضا.كان ارجوج وحده الذي يكسر صمت المكان المقفر ويصبح عدوا لنا كاطفال نحاول طرده أو اصطياده لحبسه داخل علبة الثقاب ” قجر الوقيد “.وهي مهمةكان يقوم بها الاطفال الذكور أساسا ونحن الاناث نحفز ونشجع عملية القبض عليه مشمئزات متعففات .العجيب في هذا الارجوج أنه كان كلما شعر باقترابنا منه وهو يصدح بأشجانه يبدأ في خفض صوته ويلوذ بالصمت المطبق ؛حتى اذا شعر بوجودنا قريبين يطير في رمشة عين لينتقل الى شجرة اخرى ويصدح بصوته المزعج من جديد .

وطبعا نتبعه فيتنقل وهكذا تمر قيلولتنا .المهم انه حشرة مميزة في مشهد القرية يبعث على ترسيخ الروتين والملل الذي يصيبنا في تلك الفترة من اليوم بالذات حين يتوقف الزمن نهائيا ، وفي قيظ النهار الذي لاظل فيه والشمس تكسر الحجر كما كانت تردد” حنا “رحمها الله وتطلب منا ان ننتظر الى ان تبرد الشمس لكي نخرج ونلعب.لا ادري اين وصل ارجوج اليوم هل مازال على حاله ؟هل كان يغني ليزعحنا ويثير حنقنا عليه أو ليكسر صمت المكان أم ليخفف عن نفسه حرارة الجو لاغير.

الحياة مع أرجوج كانت عظيمة في الريف ببساطتها ولازمته اليومية حتى افتقدناها وسط ضجيج البشر وضغطنا اليومي حينما غرقت شخصيا في أيام الحجر الصحي بصمتها وروتينها ..تذكرت واشتقت لأرجوج الذي كان يؤنس عطلنا البسيطة ،فعلى الاقل كان سكونه المباغث ايذانا لنا بأننا يمكننا الاستتمتاع بجو ناعم ،كنا نحيا في قرية تزينها الهندية وثازارث والعنب والبطيخ الحلو وماء البئر البارد عشية كل يوم تحمله جدتي على ظهرها من حوالي 3 كيلومترات لتضمن لنا شربه باردا في المساء من قلتها “ثاغمبورث”ماء لذيذ ممزوج بنكهة تعب الجدة وحبها على سقينا ماءا باردا في غياب المدعوة الثلاجة التي كانت مطمحا بعيد المنال ..في المساء كنا نقطف ازير والخزامة والزعتر والتي كانت تنمو بسخاء جنب المقابر ،وهناك كانت تشير جدتي الى قبر الوالدة رحمها الله الذي كانت تنبت فيه ورود حمراء ،كنت كلما مررت بجانبه و نظرته هزني شوق غريب الى أمي وبعض وجل يخفق معه القلب.كما انها كانت تحكي لنا قصة كل قبر نمر به .كانت القبور مجاورة لنا في أمان وراء ظهرنا حيث بيت جدي ينظر الى افق واسع محصن ،قبل ان تفتح طرقا كثيرة الى القرية اليوم ويتغير الحال وتصبح امامنا طريق رئيسية تمر عبرها سيارات وسيارات لم نعهد منها سوى القليل جدا ايام الريف الطفولي ،كان ظهور سيارة مارقة حدث القرية تبنى حولها السيناريوهات والقصص من طرف سكانها..زمن مضى بسرعة وكأنه امس قريب.

تذكرت أرجوج” في الحجر وسط هذا الصمت بالخارج. على الأقل على صوته المزعج كان يأتي وقت ليصمت ويرحل ليترك المجال للنسيم العليل الذي يهب وينعش الحياة من حولنا من جديد.هذا الصرار العجيب الذي يبدو أن نفسي تماهت معه فعشت ردها اغني باستمرار لأكسر ملل اللحظات القانطة من زمن ريفي صعب ، حتى نسيت أن اكون نملة دؤوبة تسعى لادخار قوتها للأيام العجاف.

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *