أقدار الله وقضاء الدولة

محمد أحداد 12:59 - 21 سبتمبر 2018

بين فيضانات المغرب واعاصير أمريكا قرون من التخلف. بطبيعة الحال تبدو المقارنة مضحكة ومتعسفة لكن هذا هو الفرق بين دولة تحترم مواطنينها ودولة أخرى تعدهم ضمن آخر انشغالاتها: الإعلام بكل أطيافه يقدم الخدمة العمومية حول إعصار فلورنس، سرعته، تأثيره، قوته، موعده، والمنتخبون والسياسيون نسوا كل شيء وتفرغوا للإعصار.

الفيضانات قدر طبيعي والأقدار الطبيعية لا ترد لكنها تقاوم، فالإنسان منذ أن وجد على الأرض يبحث عن أسباب البقاء، ويطور قدرته على تطويع الطبيعة ويتهيأ لمفاجأتها لكن ما حدث قبل أيام في مدن مختلفة يثبت شيئا واحدا: المسؤولون والمنتخبون ينتمون إلى العهود الغابرة، ولم يدركوا بعد أن السياسة ليست مجرد كلام فارغ يسوق يوم الانتخابات ولم يدركوا بعد أن خدمة المواطن وسياسة القرب وكل هذه الشعارات التافهة لا تعني أن تسلم شواهد الازدياد والحياة والموت في المقاطعات بل تعني فعلا نبيلا يوفر للمواطنين الكرامة ويضمن لهم الأمن..
لماذا لم تتحرك وزارة الداخلية ومصالحها وتستنفر كل وسائلها لإنقاذ المواطنين من الفيضانات، أين كانت عناصر الوقاية المدنية حينما علق المواطنون في الشوارع والقناطر، أين سيارات الإسعاف وأين مسؤولي الصحة الذين كان يفترض فيهم أن يعلنوا حالة من الاستنفار داخل المستشفيات والمستوصفات إن وجدت أصلا؟ أين اختفى المنتخبون الذين كانوا يكررون أسطوانتهم المشروخة والتي حفظناها عن ظهر قلب: نحن قريبون جدا من المواطنين؟ لماذا أغلقوا هواتفهم وأجرؤهم يعتذر لك باستحياء ويقول لك: هذا قدر الله. لماذا تضحك علينا وسائل الإعلام كل يوم وتكرر لازمتها: أمطار الخير والبركة بينما السيول تجرف الفقراء في الجبال والاودية..
هل شركات التدبير المفوض التي تجني الملاييير فقط لأنها تنتمي لبلد يمارس “استعمارا ناعما” قدر نزل على المغاربة وعليهم شاؤوا ذلك أم أبوا أن يتعايشوا معه؟ أم أن شركات التدبير المفوض أقوى من المؤسسات المنتخبة ومن مصالح وزارة الداخلية التي اكتفت بالتفرج على مواطنين دخلوا جبهة الفيضانات عزلا وقضوا ساعات في طوابير طويلة لقطع ضفة أبي رقراق

والأقدار كان يجب أن تظهر في التلفزة، أن يعرف المواطنون الذين يدفعون الضرائب من جيوبهم، المحاور الطرقية المقطوعة وكميات الأمطار االمتهاطلة وآراء الأرصاد الجوية فيما يحدث؟ لكن لا شيء ظهر، ولأن الأقدار تسخر منا بعض المرات، فقد تكفل بعض الفايسبوكيين بتقديم نشرات محينة ك خمس دقائق لنقل ما يحدث بالتحديد..

إذا توهم المسؤولون أن الكوارث يمكن التعاطي معه بنفس المنطق الذين يتعاملون به مع المواطنين ومع الحياة السياسية، فإنه سيأتي يوم سينقرض المغاربة دفعة واحدة ولن يبقى في هذه الأرض سوى بعض الأطلال..فماذا لو قدر الله أن يعيش المغرب عاصفة مثل تلك العواصف التي تضرب بلدانا كثيرة في العالم: ما الذي ستفعله الدولة؟ وكيف سيتعامل المنتخبون مع هذا القدر الإلهي؟
كيف ستواجه الدولة إعصارا او زلزالا لقدر الله؟ وكيف يدبر صندوق الكوارث الطبيعية وهي التي عجزت أن تتواصل مع المواطنين في الحسيمة حول هزة أرضية بلغت خمس درجات..
لنقلها بشكل صريح: ما حدث فضيحة حقيقية تغني عن مئات التقارير التي يمكن أن تصدر عن المؤسسات الدولية، وتغني عن تحليلات الصحافيين والسياسيين، وما حدث أيضا يؤكد مرة أخرى أن شركات التدبير المفوض أثبتت عجزها وأن مهمتها الوحيدة هي حفر قنوات عميقة في جيوب المواطنين..

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *