أمة تغرب عنها شمس الحكمة

فؤاد زويريق 13:00 - 25 مارس 2020

لا شك ان الأزمة التي نمر بها الآن كشفت لنا عن وعي الكثير من الناس في أمتنا، لكنها في نفس الوقت أكدت لنا على أن الجهل مستشر فيها بشكل خطير جدا، فيروس مجهري لا يرى بالعين المجردة اسمه كورونا أطاح بعقول وفكر أمة تغرب عنها شمس الحكمة والعلم والوعي من محيطها الى خليجها قبل أن يطيح بأجسادها، فما نسمعه ونقرأه ونشاهده كل يوم يجعلنا لا نأمل خيرا في مستقبل قريب، ربما علينا الانتظار لأجيال عدة متلاحقة حتى نصل الى مستوى مقبول من الوعي.

لا بد لنا هنا من الاعتراف ان حكومات هذه الأمة وفي هذه الكارثة بالضبط قامت بما يجب عليها القيام به، وكانت على مستوى المسؤولية اتجاه شعوبها ومن ينكر هذا ليس سوى حاقد أو خائن أو لديه مآرب أخرى لا يعرفها سواه، صحيح ان هناك اسباب عدة ساهمت في تجهيل الشعوب وتفقيرها فكريا، لكن هناك ايضا اسباب اخرى تقع مسؤوليتها على الشعوب نفسها، كتحييد العقل والمنطق نهائيا والجري وراء الإشاعات والترهات، بل كثيرون جدا يشككون أصلا في العلم ويتشبتون بالغيبيات كملاذ يجنبهم الاصابة أو الموت، فيصبح بذلك الرقاة والمشعوذون ورجال الدين نجوما بدل العلماء والأطباء، وتصبح كلمتهم أو بالاحرى أوامرهم مسموعة، فيتحول الدهماء الى قطيع يساق بكلمة ويتفرق بكلمة، فما معنى ان تهمل ترسانة المعلومات والاجراءات والتحذيرات القائمة على دراسات وبحوث وعلم وجهت اليك من حكومات ومنظمات محلية وعالمية واطباء وتأتمر بأمر ملتح تافه لم يكمل تعليمه حتى ولا يسوى شيئا في سوق العلم والمعرفة، هو الجهل وحب التبعية والعبودية التي يتصف بها هؤلاء للأسف، أنا لست ضد رجال الدين ومن أي دين كيفما كان، فمنهم الطالح والصالح ايضا، لكنني أمقت تلك الفئة التي تتصف بالارهاب الفكري وتدعي ألوهيتها على هذه الأرض وأنها الوحيدة التي تملك مفاتيح الجنة والنار، أحترم كل رجل دين محترم لكني لا أؤمن بأفكاره بتاتا، وهذا حقي، أؤمن بانسانيته التي تسبق دينه، فالدين يبنى على انسانية الشخص وأخلاقه وليس العكس، فإذا كان الشخص خبيثا وبدون ضمير سيظل كذلك حتى لو أطلق لحيته وختم جبينه بخاتم السجود، أو زين صدره بقلادة الصليب، أو اعتمر الكِبة.

لا شك أن في الأزمات والحروب والكوارث يصبح رجل الدين جنديا ايضا لكن مكانه الحقيقي خلف الجنود الحققيين من جيش وعلماء واطباء وشرطة… يؤازرهم ويؤازر شعبه معنويا وبانضباط تام حتى لا يكون كارثة على المجتمع كما نرى هذه الأيام، أؤمن بمثل انسانية هذا القس الايطالي وأتمنى ان يكون لدينا رجال دين أمثاله، اسمه دون جوزيبي بيرارديللي وفي ظل الكارثة التي تضرب ايطاليا وسقوط الكثير من الضحايا خصوصا الشيوخ والعجزة آثر هذا القس العجوز ان يتبرع بجهاز التنفس (وهو من الاجهزة التي اصبحت نادرة هذه الايام) لمريض شاب لينقذ حياته فيما توفي هو، رفض استخدام جهاز التنفس الصناعي الذي خصص له بسبب اصابته بفيروس كورونا، وتبرع به للشاب المصاب بنفس الفيروس فمات متأثرا باصابته، وهنا يكمن الفرق بين رجل دين يضحي بحياته كي يمنحها لغيره، ورجل دين آخر يختبئ خلف حاسوبه، ويرمي بأتباعه ومريديه الى الموت والتهلكه.

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *