إنه القحط

يوسف توفيق 18:18 - 16 مايو 2020

لست أدري لماذا كان الحظ دائما يخونني مع الطالبات؟ كانت مرحلة كبت كبيرة، تلك التي مررت بها، وأنا في السنة الأولى من الجامعة ..قحط حقيقي. لا خضرة فيها وماء ولا وجه حسن. وكثيرا ما كنت أتساءل عن سبب إعراض الفتيات عني، إلا أنني لم أتوصل لأي جواب.

وكان يجب أخذ مسافة كافية من الأحداث حتى أهتدي لسر ذلك.. وحتى أكون صريحا، فانا لم أكن أهتم لمظهري كثيرا، وربما أهملت كثيرا من التفاصيل المهمة التي لا تغفلها الفتيات..وربما كانت تلتصق بملابسي رائحة كريهة من جراء الجلوس لساعات في مقاهي الحشيش، وربما لم أكن أعطي أهمية لانسجام لباسي، وربما لم اكن جادا بما يكفي في الطلب. علاوة على أنني كنت بشارب لطيف يشبه شارب شاعر من شعراء السبعينات، ويجعلني أبدو أكبر بكثير من سني، ولعل ذلك الشارب لوحده قد ضيع علي فرصا ومغانم كثيرة. وكنت حينما أرى طالبا بصحبة صديقته ..أغبطه على السعادة التي يرفل فيها، خصوصا عندما يصطحبها إلى شقته التي يكتريها رفقة كتيبة رومانية كاملة من الطلبة.. وبعد أن يستأذن منهم ويأخذ الضمانات الكافية. مع تعهد كامل من طرف الجميع بإخلاء المكان وعدم العودة إلى الشقة تحت أي ظرف أو طائلة حتى ينتهي اللقاء الحميم، لأن وجودهم كلهم في الشقة دفعة واحدة يمكن أن يرهب الطالبة ويجعلها تغير رأيها في آخر لحظة.

لم يكن حظي في السنوات الأولى جيدا ..وكان القحط عنوان المرحلة بكل ما في الكلمة من جفاف وتيبس، ورغم أن جامعتنا كانت زاخرة بألوان كثيرة من الطالبات إلا أنه لم يكن لدي فيها أي نصيب..فقد كانت طالبات كلية الحقوق والاقتصاد مثلا فوق سقف توقعاتي، وكان حظي من تلك القلعة الحصينة أن أتجول بين الفينة والأخرى في جنباتها متذرعا بحضور أحد الأنشطة أو الحلقيات، لكن غرضي كان يتمثل أساسا في مشاهدة كرنفال المؤخرات، ولولا ذلك لما دخلت تلك الكلية ولا وطئت قدماي أرضها.

أما طالبات كلية العلوم فإذا استثنينا طالبات البيولوجيا، لم يكن هناك ما يثلج الصدر أو يسر الفؤاد..أقول ما يسر الفؤاد وليس ما يسر فؤاد.. فقد كان فؤاد مسرورا جدا وكان في كل مرة يصطحب الى البيت طالبة جديدة ..في الحقيقة لم يكن فؤاد اسمه الحقيقي ..كان اسمه الجيلالي وقد استعاض عنه بذلك الاسم الحركي لمزيد من القبول داخل الاوساط الطلابية ..ولست اخفيكم سرا اذا قلت إن كلية الاداب كانت فرصتي الحقيقية لمعالجة مسغبتي التاريخية..وهي والتي كان من الممكن جدا أن يكون لي فيها نصيب، إلا أن أغلب خياراتي فيها كانت غير سديدة بالمرة، نظرا لقلة حيلتي ونقص تجربتي في الميدان، وأذكر أني أحببت طالبة جميلة وبمؤخرة محترمة جدا، وعرضت عليها الأمر لكنها اعترضت دون الإفصاح عن أية أسباب أو مبررات، ووجدتها بعد ذلك مع طالب آخر لا يفوتني في شيء، إلا أنه يميل إلى الفكاهة والتهريج إلى درجة أن واحدا مثلي لا يمكن أن يتحمله أكثر من خمس دقائق..وقد علمت- ويا للحسرة- بعد ذلك بسنوات أن مثل هذا الصنف من الرجال هو المحبب لدى الفتيات. وطبعا لم يكن باستطاعتي أن أغير من طبعي أو شخصيتي، فتلك أمور تنغرس في النفس ولا يمكن تبديلها بين عشية وضحاها.

وكان لي صديق رق لحالي، ولوضعي الذي لا يمكن أن يسر صديقا ولا عدوا على حد سواء، وأراد أن يساعدني لكنه أساء إلي من حيث أراد أن يحسن، وقدمني لصديقة صديقته في الحي الجامعي على أساس أني شاعر وفيلسوف، فتأملت مليا في وجهي الذابل، وركزت على شاربي وربما تأملت القميص الابيض الداخلي الذي يطل من فتحة القميص الذي فوقه، وتصورتني قادما من كوكب آخر متأخر عن كوكبنا بعشرات السنوات. ولم تستطع أن تكتم ضحكتها وهي تتبادل نظرات متهكمة مع صديقتها. رجوت في السنة الثانية أن يتغير الأمر وأن تجود علي السماء بغيث مبين، لكن الجدب توالى، وتأخر القطر وامتلأت السماء بالسحاب الكاذب، وأيقنت بأن الجفاف سيستمر بعد أن عرفت اسم الرواية المقررة..إنها رواية جميلة لكاتب عظيم، لكنها تبتدئ بالعبارة التالية: إنه القحط.. مرة أخرى!!

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *