إهنأ صديقي لم يفتك شيئ!

عبد اللطيف بنعمر 18:21 - 27 يوليو 2018

مرت سنة على رحيلك صديقي، الاستاذ توفيق الجديدي.. مرت سنة وانت غائب جسديا، حاضر روحيا، نلتقي يوميا بالمعهد، المؤسسة التي انطلقت فيها علاقتنا، كأستاذ لي، ثم كزميل وكصديق ..كالعادة تسألني عن الناس، والأحوال، والأوضاع. ابدأ في السرد، تنصت إلي دون ان تقاطعني.. ثم لا ألبث أتوقف، حتى لا أنغص عليك راحتك الأبدية..

لاشيئ تغير، صديقي..لاشيئ.. الكل يمشي نحو الأسوأ …وحدها الرداءة تحاصرنا من الشمال، ومن الجنوب، و من الشرق، و من الغرب..تتمدد على مدى جهاة الوطن الاثنى عشر، و تتسيد علينا من اليمين، و الوسط، و اليسار …تزحف في عجرفة، و خيلاء، و دون حياء.. تقصفنا برا، و جوا، و بحرا، و لا أحد …لا أحد يواجهها، او يتصدى لها.

الرداءة يا صديقي، احتلت الصفوف الاولى في المساجد، و المعابد، و المجالس العلمية، و الهيئات المنتخبة و المعينة، و المؤسسات، و الاحزاب و النقابات، و الجمعيات، و في مدرجات المعاهد، و الجامعات، و الكليات، و في صفحات الجرائد الورقية، و الالكترونية، و السوشل ميديا، و بلاطوهات الاذاعات و التلفزات، والمهرجانات .. تشيد بانجازات وهمية، تبجل، تمدح زعامات ورقية، سياسية، ونقابية، و دينية، وثقافية، وضيعة، انتهازية، ريعية ..تأخد الكلمة دون استئذان تخطب في الناس…تكفر، تحلل، وتحرم…ترفع شعارات فارغة، و توزع وعودا كاذبة.. و تحاضر، و توزع الشواهد، و الميزات، و التوصيات بالنشر، لأطروحات ضعيفة، غثة و فارغة..تنظر، و تحلل وتناقش، و تتطاول، و تضحد في المساء ما أكدته في الصباح.

الرداءة يا صديقي، أصبحت تلبس و تتشيك على اخر صيحات الموضة و التسريحات..تدخن السيكار، و تحتسي الشامبانيا..تسكن افخم البيوت، و الفيلات، وتستقل افخم السيارات، باموال الشعب ودافعي الضرائب مشترات..و تنفق دون حساب في الملاهي، و الكزنوهات..في القمار و على العشيقات والباغيات..او تحمل سبحة، وتطلق لحية، و ترتدي لباسا افغانيا، او تسدل برقعا، او تلبس البوركيني حتى، تبث، تفتي، وتحسم في مواضيع دينية و دنيوية شتى.

الرداءة هي اناس اغبياء، انتهازيون، فاشلون، غير اكفاء، ملهوطون، استعملوا كل اساليب التدليس، و تفننوا في كل طرق الاستعطاف، والتحايل والتبخيس، كي يحتلوا المناصب ويتحملوا المسؤوليات..فبدأوا يفسدون، و يبدرون، و ينتقمون، و يعرقلون، و يدمرون، و ينهبون الخيرات، و الميزانيات، ثم يرحلون دون حسيب و لا رقيب…او يتشبتون بمناصبهم، فيناورون، و يستجدون، و يتباكون، قصد البقاء فيها خالدون.

الرداءة اصبحت تضرب المواعيد الغرامية في المكاتب المغلقة، وفي ردهات الادارات، و في االهيئات المنتخبة، و المجالس الحكومية، و الفصول و المدرجات.. تتبادل الرسائل النصية والنظرات، و الابتسامات، و الغمزات، مستهترة بما عليها من مسؤوليات.

الرداءة يا صديقي، اصبح لها منظرون، و اتباع، و مريدون، و قواعد، و مناضلون، يدافعون عنها في كل المحافل، وبكل الوسائل..بالمال، بالسلطة، بالسياسة، بالدين، بالفن، بالاعلام ..ولها وكلاء في الابناك، و في بورصة القيم، و لها عيون، و اذان و حراس، و مخبرون، في الحارات، و الازقة ، و المقاهي، والبارات، مرابطون..ولها ايضا مسؤولون، في الادارات، و المحاكم، و الوزارات، و في كل القطاعات، على مصالحها ساهرون.

ستقول لي ان هذا ليس جديدا..و كان قيد حياتك مستشريا..معك حق! الا ان الرداءة الان، اصبحت اكثر رداءة، و خبثا، و وقاحة..بل اصبحت اسلوب حياتنا، والشيئ الوحيد الذي نوزعه بيننا بشكل ديموقراطي، و بالعدل، و الانصاف و المناصفة. االرداءة، اصبحت هي المعيار، و المرجع و المنهج.. اصبحت بلدوزورا يدمر القيم، ويكسر الهمم ..و يقتل الامال، و الاحلام..يهضم حقوق الضعيف، و الكادح، و العامل، و ياكل مال المعطلين، واليتامى، و الفقراء، و الارامل…اصبحت تتاجر بالدين، و توظف المال و السلطة، تبيع وتشتري في الذمم، و تنهى عن المعروف، و تامر بالمنكر .. تتستحوذ، تقطع الارزاق باعصاب باردة..تستملك بالقوة، المقالع، و المناجم، و المصايد، و الشواطئ، و المزارع…في التسلط، و الشطط بارعة..تستعمل اساليب “طحن مو”، و تستقوي بزواج المال والسلطة، و تنعت الشعب بالمداويخ، و تحضر تهما، و احكاما جاهزة بعقلية “كل ما من شأنه” العائدة.

الرداءة لم تعد تخشى احدا..لا الدستور، و لا الاتفاقيات، و لا المواثيق، و لا القوانين، و لا التشريعات.. تخرب تنهب تدمر تحتكر..خارج القوانين، و المساطر، و المؤسسات، و الكل يصفق لها، و يبجلها، يتهافت ليحصل منها على اتوغراف، او صورة، او سيلفي، و يتابعها في الفيسبوك و التويتر، و الانستغرام.. بعبارات الاعجاب و بالليكات ..او يتزاحم، ويتسابق ليستجدي المكافاءت، والمأذونيتات، و الأوسمة، والاكراميات.

الرداءة يا صديقي، قلبت المفاهيم، و المعايير و النظريات..فالمطالب بالحق، أو المندد بالظلم اصبح خائنا لاوطنيا، واللص، و المهرب اصبح زعيما سياسيا، و المناضل الصادق اصبح زنديقا او انتهازيا، و المزور، و المدلس اصبح حكيما و عبقريا…

بفضل الرداءة اصبحنا نتذيل المراتب و التصنيفات بين اضعف الامم و المنظمات الجهوية، و الاقليمية و في كل القارات.. في مؤشرات الديمقراطية، و الحكامة، و التنمية البشرية، و في الصحة و التربية..في كل المجالات..اصبحنا مرجعا في الفساد، و الظلم، و الاستبداد، والرشوة و الاستعباد.

لا تسألني كيف، و بماذا، و متى سنتخلص من الرداءة..فنحن تربينا معها، و على يدها..نتنفسها و نستنشقها، تشبعنا بها..رسخناها في قوانينا، و كتبنا المدرسية، ومقرراتنا التربوية، ومجدناها في نشراتنا الاخبارية و سهراتنا التلفزية..سكنت مؤسساتنا، و اداراتنا، و مدننا، و قرانا ..تجري في عروقنا، دخلت بيوتنا، و احتلت مطابخنا، و غرف نومنا، واصبحت تتحكم في كل معاملاتنا، و طرق لباسنا، و اكلنا و شربنا، و حتى في مضاجعتنا لزوجاتنا. هي الماضي، و الحاضر و المستقبل..لا تسأل …لا تسأل…

فاهدأ يا صديقي.. لم يفتك شيئ.. فالرداءة اكتسحتنا ..ولن ترحل، لا اليوم، و لا غدا..وربما الى الازل…لا امل.

صديقك عبد اللطيف بنعمر.

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *