اقصايب .. مخرج الشعب

بشرى مازيه 10:13 - 11 أبريل 2016

” نسميو الله “، كانت أول كلمة ينطق بها المخرج المبدع محمد اقصايب إيذانا بانطلاق التصوير ، وحين يجيبه كافة أعضاء الطاقم وكذا الضيوف بأنهم جاهزون ، عندها يناديني من موقعه لبداية طرح أسئلتي … دقيق في عمله ، وأدق في ملاحظاته ، لم تكن تشغله الصورة لوحدها بل حتى مضمون ما يقال ويروج في بلاتو البرنامج .. هكذا عرفت اقصايب الذي كان يقول مرارا عندما يسألونه عن سبب العزوف عن الزواج والأبناء : تزوجت التلفزيون وأبنائي هم البرامج التي أخرجها .. لقد كان التلفزيون حياته التي عاش لها ومن أجلها .. كانت البرامج الثقافية من أكثر البرامج التي تستهويه فوقع باقة من الأعمال التي أغنت خزانة التلفزيون …
فكانت البداية مع برنامج كمبيوتر 7 ، مع فاطمة التواتي ، وأسر لي أن رقم 7 الذي  اختاره كعنوان للبرنامج كان نسبة الى درجة سلمه الاداري آنذاك في أوائل الثمانينات ، وبعدها برنامج “ترافلينك”  ، وملفات السينما التي كان يعده نور الدين الصايل ، ف”اوماتيك” للمعدتين يسرى الصديقي ورجاء حليلة ، إلى أن جمعني معه أول عمل أواسط التسعينات وهو برنامج ” حضور ” الذي حصلنا من خلاله على الكثير من الجوائز داخل وخارج المغرب، وتوالت بعد ذلك العديد من الأعمال المشتركة التي امتدت  على أكثر من 17 سنة ، منها “مشاهد”، و”أبواب” ، و” ثانويات”، و”كافي تيفي ” ، ثم العملين الاخيرين الذين لم يخرجا الى حيز الوجود  ، “بصيغة أخرى” و”حروف” .
“كل واحد عندو” بودا” ديالو، نسبة الى الفلسفة او الديانة البوذية…المهم انه كان يحب ان يعرف محيطه ان مثله الأعلى هو المبدع الكبير الفنان الطيب الصديقي الذي ربطته به صداقة قوية جدا. اشتغالي مع اقصايب جعلني شاهدة على المستوى الراقي الذي اتسمت به هذه الصداقة وحضرت مواقف توءكد التقدير المتبادل بين الرجلين سواء على المستوى المهني او الإنساني وهذا الرصيد الذي كان يتمتع به اقصايب لدى أسرة الصديقي باكملها مكنني من الدخول الى عالم الصديقي واتابع عن كثب تعاونهما خلال البساطات الاخيرة التي نقلها الراحل للتلفزيون المغربي “الفيل والسراويل” ولو كانت فولة، السحور، جنان الشيبة….
وشاءت الاقدار ان لايفترق الرجلان طويلا، ولم تكتمل شهرين على رحيل الطيب ليلتحق به صديقه الصدوق اقصايب.
في مايخصني، كان دائماً يقول لي ولاسرتي ولمحيطي : لو قدر الله واراد ان يرزقني بابنة لتمنيت ان تكون بشرى….وعندما حصلت على الدكتوراة وانا اعتبر نفسي تلميذته اعلاميا وافتخر بذلك: قال لي على الأقل مدرستي تخرج الدكاترة…
ما ميز الراحل اقصايب هو روح النكتة التي لم تفارقه حتى في أقسى لحظات حياته ، حتى وهو في الانعاش سألته على سبيل التأكد من أنه مازال في وعيه : أين انت سمحمد ؟ أجابني وهو بالكاد يستطيع فتح فمه : في نيويورك عزيزتي!
وفي الصباح نقل الى العناية المركزة بمستشفى ابن سينا حيث حظي باهتمام مشكور من قبل طاقم طبي وعلى رأسه الدكتور هجري  ، سألته مرة أخرى أين أنت سمحمد فقال : في واشنطن لكن وددت لو كنت في هواي!
هذا هو اقصايب ،  الذي عاش مرحا طول حياته رغم معاناته الطويلة مع المرض إذ كان يعيش منذ أكثر من 30 سنة بكلية واحدة منحها له أخوه بعد أن توقفت كليتاه الاثنتين عن العمل .. وفي الثلاث سنوات الأخيرة عاش معاناة جديدة مع غسل الكلي في صمت وكبرياء ، دون أن يسقط آلامه على من هم حوله ..
كان يردد دائما : لا مال ولا أولاد لا كلمة في البلاد عايش غير مع الجواد ، فأنا بالنسبة للوظيفة العمومية لا أحمل صفة مخرج ، لكن حب المغاربة لأعمالي هو الذي جعلني أحملها بكل فخر واعتزاز ..
برقية تعزية جلالة الملك لعائلته وأصدقائه ولكل أسرة الإبداع مبعث فخر لكل من عايش اقصايب ولمس حبه وشغفه بهذا الوطن ، إذ كان من طينة الذين يعملون في صمت ثم يرحلون  في صمت ..

بشرى مازيه
إعلامية بالتلفزة المغربية

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *