“البيجيدي” الذي ينتظر أن يحن عليه “أبو الخيزران”..

محمد أحداد 12:50 - 23 ديسمبر 2018

حالة حزب العدالة والتنمية تشبه كثيرا حالة أبطال رواية “رجال في الشمس” لغسان كنفاني، يعتقدون أن أبو الخيزران، سائق الشاحنة، يمكن أن يحن عليهم وينقذهم من الجوع والعطش والاختناق، هكذا جزاء وفاقا، ولم يتعلموا شيئا من الدرس الاتحادي القديم الذي دق أعضاؤه “جدار الخزان” لكن بعد فوات الأوان.. بعد أن تحول حزب اليوسفي إلى جثة هامدة..
“البيجيدي” كانت أمامه تجربة تجر تركة كاملة للاتحاديين الذين خرجوا مثل خربة مهجورة من تجربة التناوب؛ وبدل أن يستفيد منها، سار معصوب الأعين إلى نفس المصير.
من كان ينتظر أن يؤول حزب العدالة والتنمية إلى نفس مصير الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية دون أن يزج بمناضليه في السجون والأقبية السرية وينكل بهم بكل صنوف التعذيب! من كان ينتظر هذا المصير التراجيدي للإسلاميين بعد ست سنوات فقط من وصولهم إلى تدبير الشأن العام!؟ كنا نعتقد أنه، على الأقل، سيقاوم بعض العقود كما فعل الاتحاديون أيام “العصا الغليظة” قبل أن ينتهوا في “أرض الله الشاسعة”!!
الاتحاديون، مهما كانت الانتقادات التي يمكن أن نوجهها إليهم، خاضوا لعقود صراعا مريرا، جربوا فيه، واستطاعوا أن يشكلوا مصدر قلق وإزعاج حقيقي لنظام الملك الراحل الحسن الثاني؛ أما الإسلاميون فلم يكونوا بحاجة سوى إلى بضعة شهور كي نختبر قوتهم الحقيقية، وفي المحصلة: حزب كباقي الأحزاب الأخرى، يشبه “أصلا تجاريا” يبحث عن الربح والكسب السريع…
وصل حزب العدالة والتنمية إلى تدبير الشأن العام منتشيا بفوز كبير على أقرب منافسيه، وكان من الصعب جدا، في خضم ظرفية حساسة من تاريخ المغرب المعاصر، أن يذهب إلى أبعد مدى في الدفاع عن مرجعيته الإسلامية التي كانت دائما موضع احتجاج من لدن حساسيات سياسية كثيرة، من داخل الدولة ومن خارجها، وصلت مداها حينما طالبت أحزاب سياسية بحل العدالة والتنمية غداة أحداث 16 ماي بالدار البيضاء.
منذ تلك الفترة، سار “البيجيدي” في حقل من الألغام، وكان عليه أن يثبت براءته من الانتماء إلى الفكر المتطرف المسنود من طرف تنظيم دولي. وبالتوازي مع هذا الحذر، تغذت قيم المحافظة في المجتمع بفعل عوامل كثيرة لا تتسع هذه المقالة للخوض في تفاصيلها، وبدأ يتسرب حزب العدالة والتنمية إلى مفاصل المجتمع واستطاع أن يخلق لنفسه وعاء تنظيميا قويا.
مع كل الصلاحيات التي منحها الدستور الجديد لعبد الإله بنكيران وهامش التحرك الذي حرره شباب عشرين فبراير، أدرك زعيم الإسلاميين أن المقصد الأول من رئاسة الحكومة يكمن في إثبات أن الإسلاميين تغيروا كثيرا… ابتعدوا عن الدعوة واقتربوا من السياسة؛ وكان، في كل مرة، يبعث بإشارات إلى القصر مفادها أنه أصبح حزبا سياسيا يؤمن بقواعد اللعبة ومنخرطا في التدافع السياسي، لكن كل ذلك لم يشفع لبنكيران، فلم يمض وقت طويل حتى أخذ يتعرض للدغات الأصدقاء قبل الأعداء…
الحزب الذي يقبل بأن يتآمر المشهد السياسي بكامله على أمينه العام ويمرغه في الدسائس، والحزب الذي يقبل أن “يشيِّع” جنازة رجل مازال حيا بمبرر أنه لم يعد صالحا للمرحلة، والحزب الذي رفض البارحة أن يصبح حامي الدين رئيسا لفريق الحزب بمجلس المستشارين بمبرر الحفاظ عن التوازنات، وبنكيران الذي يعطي الدروس هذه الأيام، عليه أن يصمت قليلا: فهو الذي كان يصف أفتاتي بـ”المجذوب” عندما كان يمارس حريته في الكلام وهو الذي كان ينهى أعضاء حزبه عن الرد عن الأحرار، وهو الذي قال إن أخنوش رجل طيب وإن المقاطعة فعل لا طائل منه، وهو الذي قدم التنازلات تلو التنازلات بمنطق “السياق الدولي”…
“البيجيدي” أكل يوم أكل الثور الأبيض، لكنه لا يستوعب الدرس على بساطته.

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *