التطبيع، لمن الدور؟

الحسين أربيب 15:15 - 24 سبتمبر 2020

أعتقد أن صف حكام العرب سيكون طويلا أمام وزارة الخارجية الإسرائلية وسفارتها  بالولايات المتحدة الأمريكية  لربط اتفاقيات الصداقة والتعاون الإستراتيجي لأن الأنظمة العربية من الخليج الى المحيط مهددة بالتحولات السياسية والإجتماعية والإقتصادية من جهة ومن جهة أخرى هذه الأنظمة بالأساس  ترتكز في الحكم على قواعد غير آمنة لأنها لا تستثمر في البنيات الاجتماعية والصحية وبالأساس لا تعير اهتماما للمشروع السياسي  الأجتماعي – الديموقراطي،  حيث مازالت تعتبر الإرث التاريخي والعهود الغابرة رأسمالا يظل مستمرا بالرغم من اننا في عصر الإنترنيت حيث االعالم بين يدي كل فرد يتوفر على حاسوب اوهاتف نقال مرتبط بالشبكة العنكبوتية والمعلومة صارت في متناول الجميع طبعا إذا ما ستثنينا الذين هم في ظلام الجهل مع الأسف وهم كثر في رقعة عالم عربي ينام على كنز البترول وخيرات لا تحصى واهمها العنصر البشري والذي يشكل الشباب نسبة عالية مما يعني قوة لا تضاهيها اية قوة لو وجدت التاطير السياسي والعلمي اللازمين والضروري ، لكن وحالنا على ما هو عليه لن ننتظر اكثر مما نحن عليه جهل مستمر وفقر وامراض وحرمان وقمع للحريات وهضم لأبسط حقوق الإنسان سواء كان طفلا ام امرأة او رجلا الكل سواسية في نظر ماكينة الأنظمة العربية التي تطحن بلا رحمة كل من فكر او طالب او نادي بالحق ، حق العيش الكريم الحق في التعليم في الصحة في السكن وفي وفي …كلها تعطى وفق معايير وحدها الأنظمة السياسية  القائمة هي التي تحددها.كما أن اغلب تلك الأنظمة العربية بما لديها من قوة مالية نتيجة مبيعاتها للنفط والغاز حيث أصبحت بفعل ذلك اغنى الدول في العالم وأصبحت كل الخبرات التقنية والمالية والفنية تتمركز هناك، وبالتالي أصبحت تلك المنطقة محط كل الأنظار التي تريد نصيبا من الكعكة خاصة لما ترى تلك الكعكة تؤكل بسهولة أي بمجرد تقديم أسباب واهية والتلاعب باصحاب من يعتقدون انهم يمتلكون تلك القرارات فيتم لهم ما يراد… فالفزاعة التي تضعها أمريكا للجالسين على آبار النفط تارة تكون ايران وتارة ثورات الربيع العربي وأخرى حزب الله والإرهاب وان الضامن لأمنهم هي أمريكا وحليفته المحلية “إسرائيل الواحة الديموقراطية ” كما تصورها لهم ، فهي ديموقراطية مع الداخل وليس مع جيرانها الفلسطينيين الذين يعانون من القصف يوميا والإعتقالات وهدم المنازل وقلع أشجار الزيتون وحبس الأطفال والنساء دون تمييز تلك هي حليفة اقوى دوة أمريكا ..

لماذا تطلع اعناق الأنظمة العربية نحو تل ابيب الآن ؟ لأن البعض صار يؤمن انها بوابة للخلاص من الهلع الأمني الذي تارة تتصوره كشبح إيراني وتارة شيعي ومرات عديدة العدو الداخلي والمؤامرة الإرهابية ، وبذلك تعيش اغلب الانظمة السياسية  العربية والتي تستمد اغلبها من شرعية الإنقلابات العسكرية او من مرتكز قبائلي وعائلي او وراثة لملكيات لاقت الدعم من المستعمر الإبريطاني والفرنسي إبان اتفاقية اكس ليبان . تلك الأنظمة صارت تعيش  على هاجس أمني داخلي غير مستقر وتغدق في الإنفاق في الأسلحة التي لا تستعمل ضد العدو المشترك الأول هو الجهل الذي يجثم على عقول اغلب الشعوب العربية والعدو الثاني الأسرائيلي الذي لن يهدا له بال إلا بعد أن يردي كل الأنظمة العربية في وضع ما قبل الثورة الصناعية بل الى العهود الحجرية  لأن الكيان الصهيوني ليس بليدا ليتعاون مع من سلب لهم الأرض وقتل الألاف من كل البلاد العربية منذ1948 .                

لقد بدا جليا ان لهذا التزاحم أمام بوابة إسرائيل عبر وكيلها الأمريكي سببه قرب تاريخ اجراء الانتخابات الأمريكية وخشية البعض فوات الفرصة إن لم يفز ترامب فيها لأن الديبلوماسية العربية ترى في عهدة ترامب فرصة للتخلص من ذلك الإرث الذي قيدهم بالرغم من انهم لا يرغبون في ان يكونوا في الخط التحرري الذي يتتبعه كل فصائل الثورة الفلسطينية رغم كل اخلافاتها الإيديويلوجية ،وهذا من حقها،  لكن الخط الأساسي أنهم لا يرضون ببقاء حبة من التراب الفلسطيني تحت الاحتلال واي احتلال ؟، احتلال عنصري اكثر مما عرفته جنوب إفريقيا بل عنصرية تتشابه بما يجري وجرى في الولايات المتحدة ضد السود وكل الشعوب ذوي الأصول الأجنبية ، دون اعتبار أن البيض أصلا هم من دخلاء التراب الأمريكي وهم الذين ابادوا السكان والشعوب الأصلية من الهنود الحمر.

اجل إن الخط التحرري الذي جبل عليه الفلسطينيون لا ترغب الأنظمة العربية أن تستمد منه شعوبها المقهورة وتتاثر بها لتعي الوضع الداخلي، لأن الشعب الفلسطيني رغم كل الآلة الجبارة التي تمتلكها إسرائيل بالطبع بدعم ابريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الأروبية ، لم تستطع منذ اكثر من 70 سنة من ان تركع الفلسطيني الذي رضع الحرية وحمل البندقية في وجه اكبر نظام ابارتيد في القرن 21  وأعطى اعظم ملحمة في التاريخ المعاصر لمعنى المقاومة .

إذن الإحساس بانعدام الأمن الداخلي او الخارجي أو هكذا تم تصوير الوضع لهم من قبل المخابرات (الموساد وسي أي أيهو من دوافع الهرولة نحو عقد اتفاقات مع “دولة” كانت ومازالت لا تثق في أي عربي ولا تبني حياتها اليومية إلا من خلال تربية الحرب والعداء وأن قاموس السلام الذي تطبل به وسائل إعلامها كله دعاية تقول عكس ما تفعل تماما والتاريخ الطويل مع هذ الكيان الوهمي الذي اغتصب ارض شعب لإقامة دولة دينية عرقية عنصرية من شتات يهود لم تكن يوما لهم دولة ولا وطن بل كانوا قبائل في الجزيرة العربية كما هم كل القبائل وتاريخ اليهود معروف عند المسلمين اكثر أي احد خاصة مع الرسول (ص). هذا الأمن الذي دفع الدول العربية بمعزل عن الإنصات لنبض  شعوبها للتزاحم لنيل ود أمريكا وإسرائيل لأنهما اللتان تؤشران على مستقبل الأنظمة في الشرق الأوسط بل تغير الخريطة عبر إشارة ويتحرك الأسطول السادس وحاملات الطائرات لإنقاذ من يراد إنقاذه وإسقاط من يراد إسقاطه الحل والعقد حسب تلك الأنظمة عند العم سام وياهودا ،هذا من جهة ومن جهة ثانية هنا المعارضة السياسية التي اتسعت رقعتها في خريطة الوطن العربي بالرغم من وحدتها واختلاف أساليب نضالها إلا انها تتفق في انها تريد التغيير على اى أسس غير التي تقوم عليها تلك النظم السياسية القائمة والمدعمة من قبل الغرب  … فلما كان صدام يقصف تل ابيب بالسكود عرفت إسرائيل انها بداية نهاية عجرفتها منذ ذاك الوقت وهي تخطط للنيل من نظام صدام لا الشخص بل الروح العربية المستقلة التي ترفض الإستعباد والخنوع ، ولما كانت ايران هي الدولة الوحيدة التي ترد على مقتل قاسم سليمان من قبل البنتاغون جعل الولايات المتحدة تراجع حشاباتها في الشرق الأوسط وهاهي تشرع في تمرير مخططاتها التي ساهمت في بلورته الأنظمة العربية وعلى راسها السعودية والإمارات والبقة آتية، فصارت ايران هدفا من قبل أمريكا وإسرائيل لأنها قوة عرفت كيف تحصن هويتها وتدافع عن استقلالها وقراراتها رغم الحصار وتجويع شعب بأكمله بسبب المقاطعة الفروضة عليه. 

يبدو ان مرحلة كامب ديفيد وواد العربة أثمرا هذه المرحلة من الإندفاع امام بوابة الغاصب للأرض وللحقوق في ابشع استعمار ربما لم تعرفه البشرية في تاريخها ، فاليهود الذين كانوا هم الذين يتباكون بانهم كانوا ضحية النازية قاموا باعنف الأعمال الهمجية التي لم يقم بها ربما هتلر ولا أقول هذا كاني ارغب فيما فعل بل ارفضه كل ما لمعنى الرفض من معنى،  لأن الإنسان مهما كانت عقائده او لونه او توجهاته السياسية لا يمكن تعذيبه او إعدامه بهذه المبررات العنصرية.

لقد افصح الجميع في العلن او في السر انهم كانوا دوما مع الفسطينيين ولكنهم هم من لم يستطيعوا إيجاد سلام مع الإسرائيليين ولقد حان الوقت للتفكير في المصالح الخاصة وتلك المصالح ماهي  إلا الحماية العسكرية والإستخباراتية التي تقدمها “دولة “  إسرائيل لدول الخليج التي ترى في ايران الغول الذي سيفتك بعروشها لينهب ثرواتها ، غير ان هذه الدولة لا تعرف انها إن  نجت  من” الغول” الإيراني ستسقط بين يدي الأفعى الرقطاء لتبث فيه من سمومها التي لن تكون كسم الذي شربه المرحوم عرفات بل سما يشوه خليقة هذه الشعوب التي عرفت البحبوحة الاقتصادية لكنها لن ترى الطمأنينة ولا الاستقرار بل ستعيش اقسى مراحل حياتها في الإستعباد والتحكم في مصائرهم من قبل بني صهيون، الذين اغتالوا نخبا وذبحوا الأطفال في دير ياسين وهدموا المنازل وشردوا وجوعوا وفتكوا بكل من يشتم فيه رائحة فلسطين.

واليوم ها نحن في منعطف اخر لتعرف فلسطين انها وحدها وانها لا غير البندقة وتشبثها بالأرض وحق شعبها لإقامة دولة عاصمتها القدس مهما كانت قرارات إسرائيل والدول الداعمة للإحتلال الصهيوني ، إن الخيار الوحيد للشعب يجب أن يتخذه الشعب الفلسطيني وحده ووحده فقط …ولا احد له الحق في التحدث باسمه .

 إن قضية فلسطين هي أس الحل والعقد ولايمكن للشرق الأوسط أن يعرف السلام بدون إقامة الشعب الفلسطيني  لدولته على ارضه المسلوبةفالسلام خارج الشعب الفلسطيني نوع من الوهم وربحا للوقت فتاريخ الشعوب لا يمكن محوه بجرة قلم أو بتوقيع على وثيقة  أو   أن يخضع لإرادة رئيس دولة عظمى  لتحصل أمريكا وحليفتاها إسرائيل على ثروات الخليج النفطية مقابل حماية عروشها من العواصف الداخلية والخارجية التي سوف تهب عليها ليس فقط لأنها ربطت علاقات مع كيان يضرب عرض الحائط كل مبادئ القانون الدولي وحقوق الإنسان وحقوق الطفل وكل القيم الإنسانية وممارسته الدنيئة للعنصرية ضد الفلسطينييين، بل لأنها تمارس هي أيضا سياسةقمعية ولا ترى في شعوبها سوى أعداء بالمآل وذاك ما يفسر تشجيع الهجرة بحيث الشعب يصبح اقلية فلا لهؤلاء حقوق ولا لأولائكحق التجنيس ولا الاستقرار، مما يجعل تلك الأنظمة تتحكم في الحركة السكانية وتضبط كل الإحتجاجات طبعا كل ذلك بدعم من المخابرات الإسرائيلية والأمريكية وبتعاون من الأنظمة العربية العسكلرية كالنظام المصري

الدور الآتي سيتزاحم فيه كل تلك الأنظمة الخليجية وبعض من دول المغرب العربي ، دون أن يكون من  بينها المغرب ،لأن المغرب أقام  مكتبا للإتصال مع إسرائيل على أساس فتح قناة لإيجاد حل للقضية الفلسطينية منذ 1996 لكنه لم يجد الأذن الصاغية من الطرف الأخر مما دفع المسؤولين بالبلاد الى إغلاق ذلك المكتب  في 2000. وبالرغم من أن البعض يعتقد ان هناك صفقة بين المغرب والولايات المتحدة بربط بلادنا لعلاقة مع إسرائيل مقابل اعتراف أمريكا بسيادة المغرب عن الصحراء المغربية ، غير أن هذا الطرح ربما يجانب الحقيقة لأن المغرب في صحرائه منذ 1975 وبموجب حكم قضائي دولي وفي اطار ميثاق الأمم المتحدة المتعلق بتصفية الإستعمار.

ما الذي سيتغر إذا ما ربطت كل الدول العربية علاقاتها مع إسرائيل ؟ هل سيتتم عملية السلام  وسيتم حل قضية فلسطين ؟ام أن الوضع سبقى كما هو عليه ؟ إن قضية فلسطين هي البوابة لكل سلام وتنمية في المنطقة ، فبدونها لن تستقر منطقة الشرق الأوسط وما مرور أكثر من 70 سنة والإضطرابات والحروب والإنتفاضات لم تهدأ بل ستستمر وبأشكال وحدة مختلفة.والآتي من الزمن سيثبت هذا .إن من يضع اليوم رجله في عجلة التطبيع غدا ستلقيه في مزبلة التاريخ عبر سلب الأرض منه وطمس هويته ونهب ثروات بلاده ويفرخ التاريخ الإستعماري نسخا  عديدة من مآساة فلسطينعلى خريطة الجزيرة العربية ليتحقق حلم إسرائيل الكبرى كما تنبأ به عظماء صهيون .    

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *