الديموقراطية إحدى ضحايا كوفيد19؟.

الحسين أربيب 12:39 - 20 فبراير 2021

هل يمكن أن تكون  الديموقراطية إحدى ضحايا كوفيد.؟لأن إجراءات الحد من الحرية اتخذتها الحكومات لإنقاذ مواطنيها  من الفيروس وحمايتهم من هذا الوباء اللعين ، والكل يعلم أن الحريات الفردية والجماعية ، وحريات التعبير بكل اشكاله تحدد مدى تجدر الديموقراطية في أي بلد ، والبلدان الديموقراطية هي دوما في حركية واستمرارية في عملية  البحث عن مجالات الظل لتكشفها ضوء الحرية باستمرار سواء في مجال التعبير أو التواصل والإعلام والمعارضة السياسية وفسح المجال أمامها ، لتأخذ كل الحيز الزماني سواء في البرلمان أو وسائل الإعلام .

والمغرب الذي كرس كل جهده في المسار الديموقراطي  بدستور 2011 إثر مظاهرات 20فبراير من الربيع العربي عرف تراجعا على تراجع، الأول كان واضحا، بأن ما جاء به التعديل الدستوري عبارة عن حركة سياسية تقمصت الثوب الدستوري لتعطي له متانة ومصداقية ، ولو لم تكن اغلبية النخب الحاكمة بنفسها ، تؤمن بما سطر في الباب الثاني من الدستور المتعلق بالحريات والحقوق الأساسية ، لكنها اقتحمت هذا المجال علنا نحن المغاربة نستأنس مع الوضع المفعوم بالحريات ونتأقلم معه رويدا رويدا ، فبالعودة لقراءة الفصول 19الى 30 فقط،  نجد انفسنا أمام مساحات وفضاءات قانونية تفتح على نصوص في غاية العناية بالمواطن والمواطنة من حيث تأطير حريته وضمانها وحماية ممتلكاتهما بشكل لن يترك مجالا للشك ، غير أن الوقائع العديدة تدحض تلك الفصول وتفرغها من قيمتها الدستورية ، وذاك ليس إلا لأن الأغلبية مازالت لم تتشبع بتلك النصوص لتنطلق في حرية التعبير ، وذلك يعود لتاريخ تمت فيه عدة ممارسات جسدت معوقات الإندفاع في ممارسة الحرية والأثار السلبية التي نجمت عن ذلك من قبل الأجهزة المختصة بمجال الحريات من جهة وتردد المواطنين على ولوج بوابة الحريات خشية التعرض للقمع أو السجن . اما التراجع الثاني يعود للجائحة التي كانت فرصة للنظام السياسي ليعتمدها  ليخفت ضوء الحريات وقد يندفع نحو التراجع بخطوات من سلم الترقي في مجال الحريات،  وبالخصوص فيما يتعلق  حرية التجمعات والتنقل ناهيك عن حرية التعبير ، وفسح المجال للمعارضة بشكل واسع للتعبير والتجمعات وفي كل المجالات …ولذلك كانت جائحة كورونا فرصة للوقوف والتريث في مضمار الحريات ، والتي أصلا لم تكن في الإتجاه الصحيح الذي يعضد المسار الديموقراطي ويسرع مناله، وبذلك يكون المغرب يسير بوتيرة الخطوة خطوة ، لأن هناك اعتقاد على أن إطلاق الحريات للعامة بشكل واسع وسريع ،قد يسبب في كوارث سياسية ، واندفاعات غير محسوبة النتائج. وبلادنا ليس وحدها في هذا الظرف الحرج ، لأن التوازن بين ممارسة الحريات العمومية وعدم انتشار الوباء وحصد الأرواح من جهة والتوقف الكلي للتنقل وممارسة الأنشطة التجارية والإقتصادية والمالية والتجمعات ، من شأن ذلك كله أن يخلق حالات من العدوى الشديدة لذا المرض الذي فتك بالعالم.

ولقد عرفت الحريات العامة على الصعيد العالمي أيضا ، انحسارا لم يسبق له مثيل في العصر الحديث ، وذلك راجع لعدة عوامل منها ما هو طبيعي ومنها ما هو سياسي واقتصادي واجتماعي ،وثقافي ،وكل العوامل يمكن التحكم فيها او معرفة كيفية التعامل معها ، إذا ما توفرت الظروف الملائمة والمساعدة على ذلك ، غير أن هناك بعض العوامل التي تتطلب الكثير من العمل والجهد للوصول لنتائج إيجابية في هذا المضمار ، خاصة عندما يتعلق الأمر بالإنسان ، هذا الكائن السياسي الذي يتموقع وفق مصالحه التي غالبا لا يحددها هو ، بل هناك الكثير من المؤثرات التي تصنع له الطريق ويختار مكانه دون أن يعرف ذلك أي التأثير عليه عبر الرصيد الفكري والثقافي والتربوي الذي يشكل له الهوية والشخصية معا، ويبني له المخطط الذي يسير عليه ويعتقد أنه هو صانعه ، هذا إن كان له رصيد يساهم في اختياره أما إذا كان ضمن سلسلة آلية تحكمية تجعله خاليا  من كل حركة عقلانية تعمل بربط الظواهر بعلاقة سببية وتفسر ما يجري في محيطه بالعوامل المساهمة المادية منها وغيرها دون اللجوء لأدوات التفكير الغيبي.

لقد جاءتنا الجائحة على حين غرة، وانزوينا في ركن ضيق ننتظر وحالة الانتظار كانت منذ زمن بعيد حالتنا خاصة فيما يتعلق بخلق التغيير في كثير من مناحي حياتنا ، وصرنا كالدجاج الذي كلما تعرض للخطر استقر في مكانه وارتكن مستسلما لكل ما سيقع له دون رد فعل، لأنه لا يمتلك أدواته ولا يعرف كيف يواجه مصدر الخطر بل لا يتوفر  حتى على أي معلومة عن هوية ما يحدق به من مخاطر ، وفيروس كورونا جاءنا مقتفيا أثر جهلنا بمكونات المحيط الذي نعيش فيه لأننا صعدنا للقمر وانتقلنا لاستكشاف المريخ ونحن لا نعرف حتى ذواتنا بل بعضنا مازال يبحث عن فجوة للخروج من ظلمات أفكار تشده لعهود غابرة ، أجل إننا خارج العصر بكل مقوماته ، فالمظاهر الحياتية توحي بطفرة في التغيير لكن كينونة جوهرنا سلسلة من الفراغات ورمادية وضبابية تحجب الرؤية وتعيق السير الى الأمام فلا يغرنك ما تراه في مداخل مدننا ومنازلنا وواجهاتها ، وما تراه في صنع الأنوثة حيث يتحول القبح الى جمالية وما تتلقاه من وسائل الإعلام والنشرات من منتوجات يوصف بالثقافية والفكرية ،وما تقرأؤه من تحليلات من طرف مدعين للخبرة ، فالتنميق والتزويق هي علامة من  علامات فراغ دواخلنا وطمس لحقائقنا، صحيح هذا مبكي ومحزن لكنه واقع وجب معرفته وتقريبه لنا بل نجعله مرآة امامية لنا نرى عليها ذلك الواقع لتغييره وجعله عاملا من عوامل قلبه بل محو أثره حتى لا يتربص بنا كظل تائه في صحراء فلا هو استظل به ولا أشار له عن الطريق.

فالعام بأسره أمام امتحان عسير ، امتحان قد يقلص حرياتنا من قبل السلطة، بالتضامن مع الأطباء والعلماء والباحثين ، ومن هناك تستمد الدولة قوتها التي كانت دوما في يدها بحكم القانون ، ولكن مع تطور الديموقراطية المباشرة صارت تنحصر ولم تجد الدولة صاحبة العصا سوى الإنحناء لضرورة توسيع الحريات بشكل أصبحت الدولة الكلاسيكية في متحف التاريحخ ، وصرنا نتحدث عن دولة حقوق الإنسان،  وها هي أمريكا التي كانت تحمل هذا المشعل وإذا بها تنزله،  لما اجتاحتها موجة” الترامبية” التي نفخت في النفوس العنصرية والتي لها رؤية للعيش في عزلة والتلذذ بإحساس “أمريكا للأمريكيين”، وبالتالي أصبحت الحريات في مهب الريح العنصرية التي غطت آفق الحرية وحتى تمثال الحرية صار غير مرئي من كثافة ضبابية العقل الذي اندفع بأنانية ضخمة ليطأ على كل من يرفع هامته ليملأ عينيه بشمس الحرية .

جاءت الجائحة فقلبت نمط عيشنا بشكل ومضمون مختلفين لم يسبق لنا ولسابقينا أن عاشوه بهذا الزخم وهذه الحيطة والحذر من شبح موت قريب يطاردنا بلمسة وقبلة ،وحتى الأنفاس في الهواء صارت موبوءة، فالحد من الحريات بدت هي الحل الأمثل في ظل جهلنا العلمي لتشخيص فيروس مستجد يتغير ويتناسل بسلالات مختلفة ، بالرغم من أن الحريات العامة كم هي مضمونةوضرورية في دولة القانون؟

وهكذا نجد هامش الحرية ، يتقلص بين الحرية التي كنا نطالب بتوسيعها والتمتع بها بلا قيود ، وحاجتنا للحماية من الفيروس القاتل والذي لم نجد له تلقيحا إلا بعد أن أنهى حيوات عديدة، لأذا أصبحت مسألة ضمان الحريات العمومية مسألة أولوية ، لكن في ظل الهجمة الشرسة للفيروس على الحياة وكل مناحيها الأجتماعية والإقتصادية والمالية والنفسية والتربوية والعلاقات الدولية التجارية والسياسية ، فرضت عل الجميع منح الدولة من جديد نوع من “عقد اجتماعي” كما وصفه جان جاك روسو وغيره ، بحيث جاء لحظة سياسية ممزوجة بضرورية صحية للقضاء على كوفيد19 ، والتنازل مرة أخرى للدوة وفي بقاع العالم عن حريتنا بإرادتنا ريثما نقضي على هذا الوباء. وعليه وبغرض التصدي لهذا الوباء لا أحد يمكنه أن يعارض لما تصدر الحكومات قرارات وإجراءات تحد من حرية التنقل وتحد من حرية التجمعات وإغلاق المؤسسات التي تقدم خدمات أو ترفيها ومواد استهلاكية ، فهذا النقص من مدى الحرية تم ويتم باسم الحفاظ على الصحة العامة.

وهذا الوضع العام الذي ترتب عن هذا الوباء خلق تخوفا لدى الديموقراطيات العريقة التي ذاقت حلاوة العيش في أجواء الحريات فما بالك عند الدول التي مازالت تبحث عن مسار ديموقراطي حيث الحريات لا تجد لها تطبيقا إلا لماما كأنها قطرات من جرعات الدواء للتهدئة من الإنتفاضات وتمنح الحريات على المقاس ووفق الظروف ، فهذه الدول التي هي في طريق البحث عن الديموقراطية جاءت الجائحة لتفسح لها المجال لتفعل ما يشبع بعض المغرمين بالسلطة  ويضعون حدا لبعض المشاتل من نبتات الحرية هنا وهناك ،  لذا من الصعوبة بمكان التنبئ عما ستسفر عنه تلك الأفعال التي تتراجع بمستوى الحريات وتحد منها في دول مازالت تبحث عن متنفع للتعبير عن مطالب أساسية وتحقيق مكاسب مازالت قيد الوعود السياسية وتنزيل وتفعيل قوانين تضمن حقوقا لا يمكن الإستغناء عنها أو انتظار مناسبات معينة لتنفيذها خاصة ما يتعلق بالحقوق الحياتية كالشغل والسكن والتعليم والتداوي في المستشفيات ، أي تلك الحقوق الأولية والدنيا التي يمكن فيها اعتبار الإنسان إنسانا ثم تأتي مرحلة المواطنة ومستلزماتها التي تكون الدولة إطارا عامة له بحيث به تقاس هل هي ديموقراطية ام مازالت مستظلة بخيمة الإستبداد وظلامها . إن الأزمة الصحية الحالية التي يعيشها العالم ساعدت الأجهزة الأمنية في كل الدول على احتكار المراقبة المركزة للشعوب ، ولقد سهلت وسائل الإتصال والرقمنة عنها تتبع تطور الفيروس ومعرفة خريطة تنقله ، وهذا ما يطح بجد مسألة الحرية الشخصية والخصوصية ، وهل المعطيات التي تجمعها أجهزة التتبع للوباء عن المواطنيين وتنقلاتهم وهل لا تستعمل لأغراض أخرى ؟وهذا الأمر هو الذي يخيف المهتمين بالحريات وحمايتها .

إن الديموقراطية في العالم عرفت هذا التقلص الرهيب والذي لم يكن بسبب صعود ديكتاتوريات جديدة ، ولكن بانتشار وباء حير العلماء وكل من يشتغل في مجال الصحة والبيئة والمحافطة على الحياة، لكنه في جزء كبير منه يعود هذا الوضع الوبائي الى مستوى الجهل العميق الذي عرفته البشرية ، لأنها انشغلت اكثر في البحث العلمي الٍرأسمالي والتجاري من نفظ وغزو الفضاء وإشعال الحروب لتحريك صناعة الأسلحة والإمدادات العسكرية ، وغيب البحث العلمي في مجال الفيروسات والأمراض الخطيرة كالسيدا والسرطان ، والبحث في مجال تطوير الإنتاج الغذائي للقضاء على الجوع عبر عدد من البلدان في إفريقيا واسيا .  وهل يأتي اليوم بعد كل هذا لنقول أن الديموقراطية كانت ضحية من ضحايا كورونا هي أيضا؟

 

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *