السياسة والرياضة

الحسين أربيب 13:43 - 25 مارس 2021

يقال ان اول من اخترع كرة القدم هم الأنجليز عام 218 م ولما تم الاهتمام بهذه اللعبة العجيبة أصدر الملك إدوارد الثالث أمرا بتجريم كرة القدم وكل لاعبيها لأنها تلهيهم عن ممارسة الفروسية ورمي السهام اللعبة التي فيها الإستمتاع والدفاع عن البلاد عند الضرورة .وفي 1572 عادت اكرة القدم للواجهة واقبل عليها الجمهزر بشكل لم ينقطع منذ ذلك الوقت ،وعليه تطورت كرة القدم عبر الزمن من لعبة همجية فيها الشجار والعدوان الى لعبة لها قوانين وأعراف والمتعة ، ومؤطرة لها تقنيوها ومدربيها وحكامها ومموليها بالمال والعتاد.

وكرة القدم لها من الشعبية التي تضاهي كل أنواع الرياضات مما جعلها محط اهتمام الساسة واستعملها لتمرير خطاباتهم ومخططاتهم لما لها من استقطاب للشباب وسهولة نقل الآراء والأفكار في لحظة نشوة التي تنتجها هذه الكرة الساحرة. 

و يقال ايضا أن كل الطرق تؤدي الى روما ، والسياسة هي أيضا تستعمل هذه المقولة وتطبقها في قراراتها وفي كل ما يعود لإختصاصاتها ، فالسياسة المعمول بها في  وقتنا الحاضر وحتى من قبل، أغلبها ماكيافيلية ، فهي تستعمل كل السبل والوسائل والرموز والإشارات لتكون حاضرة وفاعلة في المجتمع الذي تتفاعل فيه ، لتؤثر وليتأثر بها ، والفعل والفعالية تنسجم مع مصدر تلك السياسة أكانت لها سند ديموقراطي يدعم عملها وقراراتها ، أم يرتكز فقط على ذهنيات منغلقة وذاتية ذات نوازع ضيقةلا تخدم سوى مصالح الطبقة السياسية، والسياسة بصفة عامة سلاح ذو حدين ، وإن كانت في الأصل عمل نبيل، حيث كان فن السياسة لتسيير الشأن العام، يتصف بالأخلاق الرفيعة ، ترقى بالمجتمع للأعالي بحيث يصبح المواطن والشعب في كليته يستمد منها السوك الحضاري والممارسة الراقية في التنظيم والإحترام للقوانين وكل المقتضيات التي تجعل من المجتمع الممارسة عليه السياسة النبيلة في مرتبة رفيعة بين الأمم في كل القطاعات.

 إلا أن السياسة كما تمارس في جل بقاع وطننا العربي ، ممسوخة الجوهر وفارغة المحتوى، بحيث تقلب وجهها وتتحول الى جحيم يغمر الأنفاس ويهيمن على العقول فيبقيها تدور في فراغات الجهل ، ويستبد بكينونتها ويسجنها في مشاكل البحث عن لقمة العيش، واتقاء قر البرد وضروريات العيش، والبحث عن موعد للتداوي قبل الوفاة، وإيجاد مقعد في مدرسة تحقيق حلم شغل يحفظ ما وجه المواطن في كرامته واحترام شخصه مع ضمان حقوقه ، وفي كلمة، ضمان أبجديات الحياة في أدنى حدودها لهذا الكائن الذي به وعليه تبنى الدول والأمم .فالرياضة بجيمع أنواعها هيمنت عليها مجموعات هدفها ليس العقل السليم في الجسم السليم بل كل شيئ يردر الدولار والملميم ، ومع انتباه الساسة لهذا النشاط الرياضي وما يمكن أن يحرك عجلة مخططاتهم السياسة وينقل بسهولة وعودهم الوهمية لشباب له من الطاقة في الإبداع والإبدان تعوضهم كل الفشل الذي انتابهم في إقامة سياسة لها من الأركان الصلبة التي تجعلها تقوم على فعل سياسي غير قابل للرتوش او التعديل أو الإسناد من قبل قطاع ما وهنا الرياضة وفي مواضيع أخرى قد يكون الدين او غيره ، والمهم في كل هذا هو أن السياسة وضعت الرياضة في بطنها الذعلت منها منارة لتضيئ ×طائها وزلاتها.

فعلا لقد أصبح واقع السياسة ،كما هي معمول بها ،على طول وعرض الوطن العربي ،وفي العديد من الدول الإفريقية والأسيوية ، واقع يخبرنا باليقين عن كيفية تحولت السياسة وهي مشدودة بقوة وبكل الوسائل بيد من حديد من قبل طغاة ، الى غول لا يرحم ، لماذا؟ لأن الجهل ضخم الأنا وأصبحت لا ترى سوى نفسها تحمل سيفا حادا ينزل على الأبرياء ويحكم عليهم بالنزوح ، وهلى الشيوخ بالنواح والنساء بالتشرد والأطفال لايدرون اية وجهة يسلكون وسط فوضى عارمة على كل الأبواب المكسرة والبيوت المهدمة والمدارس التي لم يعد لها وجودتلك هي السياسة لما لم تكن ملجمة ولا مؤطرة بالقانونالذي يحميها من كل من أراد بها سوءا ، وهكذا لما تكون السياسة طليقة وفق نوازع الأشخاص والجماعات الضيقة من المجتمع ، تصبح تسونامية القوة تجرف كل من يعارض فعلتها .            لذا فالسياسة تتخطى المؤسسات والقوانين تركب كل مكون يوصل لأكبر عدد من الجماهير ، وتقفز عليه وتستغله ، كما لو أنها تفضح حالها أو حال القائمين على تنفيذها، والتخطيط لها لأنهم لا يملكون الأرجل والأيدي، أو بصريح العبارة لا يملكون الرجولة، للوقوف وجها لوجه أمام الفعل الحقيقي الذي يستند على الشرعية والسند الشعبي ، بل يختبؤون  وراء كل ظل لإخفاء  حقيقة سياسة هلامية تمطط، لتوهم بكونها قدرة ، وهي في الواقع عبارة عن رسومات خطت على سطح ماء آسن تفوح رائحته كلما اقتربت منه.

 وهكذا ترى السياسي يتلقف كل حركة او فعل مستقل بذاته ليلبسه قلنسوة السياسي التي أخيطت له في غيابه او غيبوبته هو ومن معه على أساس انه يمثل النخبة واعيان المجتمع ، وهو لا يدري أنه ضمن لعبة تكبره بكثير وتلعب به لعبة لا يفقهها لاهو ولا أتباعه ، لكنه السياسي الذي يعرف من أين تؤكل الكتف فهو لا تهمه المبادئ ولا الأخلاق بقدر ما تهمه الحسابات البنكي في الداخل والخارج وحماية مصالحه الاقتصادية وسهولة تيسير امتيازاته وديمومتها من خلال تحلريك أجهزة الدولة لضمان الحفاظ عليها دون منازع ، وتصير كل أعماله مغلفة بردائها الأسود حتى تظل الضحية عير عابئة بما يجري حولها.

 ومعلوم أن السياسة منذ غابر العهود ركبت كل الأفكار وتقاسمتها ، ليس ايمانا بها ولا متبنية إياها ، وحتى الفكر الديني لم يسلم منها فصارت تدخل المعابد وتقيم الصلوات في الساحات لتوهم من يؤمن بالغيب والآخرة من أهل       التوحيد ، بأن السياسة هي أيضا مؤمنة وتقية .والحال أن السياسة كما تمارس على الأرض ليس لها دين ولا ملة كل ما لديها هو أن تقوم قضم كل متحرك لتركبه أو تعجنه ليصير في يدها طيعا قابلا لتحويل لخدمة مصالحها السياسة وأهدافها ، بل قد تمحيه من الوجود لتظهر لوحدها على الساحة في الإعلام وفي التجمعات وعبر النوادي الرياضية وغيرها وتكون السياسة هذه هي الفاعل الوحيد والمنقذ من كل الكوارث والمنقذ الرحيم في عالم بدونها يصبح الكل ضحية وفي وضع متأزم .كل ذلك من أجل ان تكون الطبقة السياسية ماسكة بالإمتيازات التي تضعها عبر قوانين تضع على المقاس وتجعل منها هي الوحيدة التي تمر من نوافذه وثغراته التي خيطت بدقة وضبطت على حجمها ، ومعاييرا التي لن يتوفر عليها ، على كل حال أبناء الشعب، لأن السدود القبلية التي وضعت لن تمكنهم من تجاوزها ،الشواهد الجامعية من جامعات أمريكية وغربية ، وانتماءات حزبية وعائلية وقبلية ووو..)

 وعالم الرياضة دخلته السياسة وكانها ابنها الشرعي فصارت توجهه وتضعه في مكان أهدافها لتأخذ منه ما لم تستطع أخذه بيدها مباشرة ، وبما أن الرياضة نشاط يستهوي كل الفئات ويشكل لحظات من الإسترخاء خاصة لما يكون الإبداع واللقطة الفية الرائعة سواء في التسديد أو التمرير حين يتعلق الأمر بكرة القم أو حين توضع الكرة السلة في السلة من زازية بعيدة او بطريقة توحي بأن صاحبها عبقري وفنان ، في تلك اللحظة يقز السياسي ليمرر خطابه ويسجل هدفه.

 في الماضي كانت الرياضة بسيطة تحمل بساطتها في قلب  أبناء الأحياء وانتقلت للمدن وصارت بعد ذلك تنسلخ من الهوية الأصلية إذ اختطفها أهل المال والشكارة لتصير الفرق في قبضة سماسرة يتبارون لنيل الأموال ، وبعد ذلك جاءت موجة الإحتراف ، العابرة للقارات وأصبح النجوم في رياضة كرة القدم يباعون ويشترون بالملايير نعم بالملايير .

 فالرياضة والسياسة كانت دوما جنبا الى جنب غير انها ليست دائما هي تلك الأنشطة البدنية التي تقرب الشعوب وتدعو للسلام ، لأن السياسة هي التي تحركها في الخفاء لخدمة أهدافها ، فاذا كانت لعبة “البيغ بونغ” لعبة كرة الطاولة سنة 1971 قد ساهمت في عودة العلاقات الديبلوماسية بين اللولايات المتحدة الأمريكية والصين بعد قطيعة دامت 20 سنة ، فان الرياضة كانت سببا أيضا ،في اندلاع حرب بين السلفادور والهوندوراس سنة 1970 بسبب خلاف حول الحدود . وفي المغرب كانت لعبة كرة القدم وومازالت تستهوي السياسيين لتمرير وعودهم الجوفاء، وما الشعارات التي رفعا مشجعوا فريق الجيش الملكي ومن أهمها ” القيلولة في البرلمان “في بلادي ظلموني ” ما هي إلا ردود فعل ضد استعمال الساسة للرياضة  في اغراضهم ، وقد تكون تلك الردود نتيجة تراجع دور الأحزاب السياسية عن التأطير والمتابعة لمشاكل الشباب  وفي كل الأحوال لن تكون الرياضة بلا سياسة ولا السياسة بلا رياضة لأن كل نشاط كيفما كان في مجتمع ما ، لابد أن تكون السياسة وراءه أو أمامه ، بمعنى أن السياسة هي مصدر الكثير من الظواهر الاجتماعية تخلقها لتستفيد منها في مسارها وتنفيذها لقرارتها ، وفي أحيان كثيرة لتحويل الرأي العام الوطني عن المشاكل الحقيقية وتعويضها بالمتعة التي تخفف من حدة ردود الفعل الجماهري ، لكن ليس كل مرة تسلم الجرة، فقد ينقلب السحر عن الساحر ، وهنا قد تنقلب السياسة على السياسي . 

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *