العالم يتجه إلى التعليم والعمل من بعد

إبراهيم غرايبة 12:12 - 19 مارس 2020

مع مصالح ومؤسسات قائمة وراسخة، وليس لأنها لا تصلح للتطبيق. صحيح بالطبع أنها خيارات مشوبة بالعيوب والسلبيات، لكنها تحديات ليست أكثر من مشكلات الواقع القائم في العمل والتعليم والحياة العامة واليومية بشكل عام.
لقد بدأت عمليات التعليم والعمل من بعد تأخذ فرصا عملية وتطبيقية منذ التسعينيات، لكن كان يمنع تطبيقها والتوسع فيها مصالح سياسية وطبقية، فقد تشكل حول العمل والتعليم منظومات اجتماعية وسياسية وتنظيمية ليست متصلة على نحو مباشر بالعمل والتعليم، ولكن لأهداف ومصالح تنظيم الأفراد والمجتمعات وضبطها ودمجها في سياسات الدول والنخب استخدمت مؤسسات التعليم والإعلام والعمل لأجل التنظيم والتشكيل الاجتماعي، وتحولت هذه المؤسسات من روايتها المنشأة المفترضة وهي أن يحصل الأفراد على ما يحتاجون إليه ويريدونه من معرفة ومهارات وموارد؛ لتكون تهيئة الفاعلين الاجتماعيين وفصل مصالح وأهداف الدول والمجتمعات والنخب الاقتصادية والسياسية والشركات، أو بعبارة أخرى أصبحت المؤسسات التعليمية والإرشادية والاقتصادية تعمل لتهيئة الناس لما تحتاجه السلطات والشركات وليس ما يحتاجه الأفراد.
وبالطبع فإن التراكم الزمني لهيمنة الأسواق والأعمال وتطور المؤسسات السياسية والتنظيمية أنشأ تقاليد في العمل والتعليم حولت الاستثناء (احتياجات الشركات والسلطات والمجتمعات) إلى أصل، وصار الأصل (احتياجات الفرد) مسألة استثنائية أو إضافية أو هواية معزولة، وحتى حين يغامر أفراد في تعليم وتهيئة أنفسهم كما يحبون أن يكونوا فإنها كانت عمليات واتجاهات يغلب عليها الفشل والهزيمة، ثم تحول هذا الاستثناء إلى رواية بديلة ومؤسسة للأعمال والمؤسسات تحميها مصالح وتشريعات وسياسية قوية وراسخة ومتراكمة، .. مثل عدم السماح بالتعليم إلا من خلال مدرسة أو جامعة، فهذه السياسة أنشأت طبقات ومصالح متراكمة من الأعمال والطبقات والمصالح، وأنشأت أيضا آليات وسياسات وتشريعات للاستبعاد والتهميش والتحكم في توزيع المنح والفرص والأعمال، ثم في عمليات الوصول إلى المدارس والمؤسسات والعودة إلى البيوت نشأت منظومة واسعة ومعقدة من المصالح والأعمال في النقل والبناء والإسكان وتخطيط المدن والأحياء والشوارع، وما حول ذلك من مصالح وأعمال ومقاولات في العقار ومواد البناء والسيارات والطاقة والمطاعم والمقاهي والتموين والإمداد والتوصيل، ثم النقابات والجماعات والمناصب والنميمة والتحالفات الاجتماعية والصداقات والمصاهرات، وصارت مراجعة الواقع الاستثنائي والكارثي تتعارض مع قوى سياسية واجتماعية واقتصادية قوية وعميقة وممتدة في كل نسيج الأعمال والأسواق والمجتمعات والعشائر والأحزاب والنقابات، ولنتخيل ماذا سيحدث عندما لا يعود التعليم في المدارس إلزاميا، وعندما يهيأ المجال للتعليم والعمل والتسوق من بعد؟!
سوف تتغير على نحو جوهري المؤسسات والمهن التعليمية في طبيعتها ودورها وفي علاقتها بالمجتمع، وكذلك بطبيعة الحال سوف تتغير الموارد والطبقات الناشئة حول هذه الموارد، وتتغير أيضا اتجاهات الإقامة والسكن، لأنه في مقدور الإنسان أن يعيش في أي مكان طالما أنه يستطيع العمل من منزله، وهكذا أيضا تتغير اتجاهات واستثمارات النقل والطرق وتصميم البيوت والمدن والأحياء، .. إنها حياة وأعمال جديدة؛ هي وإن كانت لا تخلو من المخاوف والخسائر فإنها أيضا مليئة بالآمال والفرص، .. وعلى أي حال فلن يكون لنا والعالم أيضا سوى أن نخوض هذا المسار!

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *