الغيتو الإسرائيلي

علي أنوزلا 11:48 - 23 مايو 2018

جريمة الإبادة الجماعية التي نفذتها إسرائيل ضد متظاهرين سلميين فلسطينيين، وذهب ضحيتها 65 شهيداً فلسطينياً، لم تُعد فقط الوهج لقضية فلسطين في بعديها، التاريخي والإنساني، وإنما أيقظت أيضاً ضمائر كثيرة ترجمت ردود أفعال أصحابها رفضاً عارماً للجرائم الإسرائيلية التي كان كثيرون، حتى مسيرات العودة، يجدون لها ما يبرّرها ويفسرها. لكن أهم ما كشفته جريمة الإبادة الجديدة حقيقة المشروع الإسرائيلي المبني على تطرّف ديني وعقائدي، لم يعد ساسة إسرائيل اليوم يخفونه.
لقد فضحت صور الجنود الإسرائيليين وهم يقفون صفاً واحداً يرمون بالرصاص الحي المتظاهرين السلميين جوهر الفكرة التي يدافع عنها الإسرائيلي المحتل، الساعي إلى إقامة كيانٍ يعزل داخله هويته الدينية والتاريخية المزعومة. كما أن تبريرات المسؤولين الإسرائيليين، بعد أن افتضح حجم جريمتهم، قتلهم الفلسطينيين العزّل، بأنهم كانوا في حالة دفاع عن النفس، لأن المتظاهرين إنما كانوا يريدون اقتحام سياج حدودهم ليذبحوهم داخل مستوطناتهم الآمنة، تبريرات عرّت طبيعة المشروع الإسرائيلي الذي لم يتخلص من عقدة “الغيتو” المسيّجة حدوده بالجدران العازلة والخنادق والمتاريس.

تتبلور عقدة “الغيتو” التي تسكن العقل الباطني الإسرائيلي يوماً بعد يوم على أرض الواقع من خلال تمدّد جدار العزل ونقاط التفتيش والمعابر والكانتونات والمستوطنات والأسلاك والخنادق والمتاريس، وأصبح لها إطار إيديولوجي، هو ما يعبر عنه في الفكر السياسي الإسرائيلي المعاصر بفكرة الدولة اليهودية التي تحمل، في أحشائها، نهاية الحلم الصهيوني، لأنها في طريقها إلى تحويل إسرائيل من وطن قومي لليهود إلى “غيتو” للإسرائيليين. أما اليهود فإنهم يعيشون في جميع أنحاء العالم، وبينهم من يرفض الفكر الصهيوني وسياسات الدولة الإسرائيلية. فهذا الفكر الإسرائيلي المتطرّف، والذي أصبح اليوم يعبّر عنه رسمياً على مستوى أعلى داخل الدولة العبرية، بل وتحوّل عقيدة رسمية لهذا الكيان، يحمل في أحشائه نقيض الفكر الصهيوني الذي قام عليه المشروع الإسرائيلي، وهذه بداية نهايته وتآكله من الداخل. فما يقوم به اليوم حكام إسرائيل، عندما يعلنونها دولة يهودية، ويريدون من العالم ومن الفلسطينيين الاعتراف بها، هو بالضبط ما سعت إليه النازية، عندما كانت تعزل اليهود عن باقي المواطنين، وتضعهم داخل “غيتوهات”، أو ليس ما يسعى إليه اليوم ساسة إسرائيل هو إقامة “غيتو” كبير اسمه إسرائيل؟
من يدافع عن فكرة “الغيتو” الإسرائيلي هي القيادات الإسرائيلية اليمينية المتطرّفة والمتعصبة التي تتحكم في تسيير الحكومة الإسرائيلية، والتي تروّج أن إسرائيل محاطةٌ بالأعداء من كل جانب، بل وحتى من الداخل، وبالتالي يجب “تطهيرها” بإعلانها دولةً يهودية. وهذه، عدا عن أنها فكرة عنصرية مقيتة، فهي تنم عن قصور نظر كبير، وعن جهلٍ تام بالتاريخ، بما في ذلك التاريخ اليهودي الذي لم توجد فيه قط دولة يهودية، أما اليهودية فهي ديانة انتشر أتباعها في كل بقاع العالم، ولم تتجسد في أي يوم في كيان قومي لا يضم إلا أتباعها.
من يصنع “الغيتو” الإسرائيلي اليوم هم قادتها أنفسهم الذين يشرّعون جرائم القتل والإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين، كما حصل أخيراً في مجزرة غزة. وهذه الجرائم هي التي ستجعل إسرائيل الدولة اليهودية العنصرية معزولة، مثل ما هي عليه اليوم داخل الساحة الدولية، عندما دان حلفاؤها، قبل خصومها وأعدائها، أعمالها الإجرامية، بل جرائمها هذه ضد الفلسطينيين العزّل أكبر محرّض على تصاعد العداء للسامية في العالم. فمن أجل ترويج مشروعهم تبنّى مؤسسو إسرائيل الأوائل فكرة الدولة العلمانية الديمقراطية، وأغلب هؤلاء كانوا علمانيين أو ملحدين. وما ينجح في تحقيقه حكام إسرائيل اليوم أنهم ينزعون عنها كل مرة ورقة التوت التي كانت تتخفى وراءها لتقديم نفسها واحة للديمقراطية في الشرق الأوسط، والحال أن الواحة في طريقها نحو التحول إلى “غيتو” إسرائيلي منغلق داخل تطرّفه الديني والعقائدي وعزلته الدولية المتنامية.
كانت غاية منظرّي الصهيونية الأوائل تأسيس وطنٍ قومي لليهود هي الهروب من “الغيتوهات” التي كان يعيش فيها بنو جلدتهم في أوروبا معزولين ومنبوذين ومطاردين. ومن مفارقات التاريخ أن يجد

الإسرائيليون اليوم أنفسهم يعيشون داخل أكبر “غيتو” بنوه لأنفسهم، ويمارسون السلوك العدواني نفسه الذي هربوا منه على الفلسطينيين، بعد أن احتلوا أرض الفلسطينيين واغتصبوا وطنهم. إنه سلوكٌ مرضيٌّ يتحول فيه الضحية إلى جلاد، وهذا ما يحصل اليوم مع الإسرائيليين ضحية فكر ساستهم المتطرّف والمرضي.
لقد كشفت مسيرات العودة السلمية عن بداية تبلور فكر جديد عند الفصائل الفلسطينية التي كانت تؤمن بالمقاومة المسلحة، بأن المقاومة بالسلاح أمام اختلال موازين القوى أضرّت الفلسطينيين أكثر مما نفعتهم، وهذا خيار استراتيجي قد يؤدي بالفلسطينيين إلى الخروج من النفق الذي وضعوا أنفسهم داخله. ولعل من إيجابيات هذا الخيار عودة القضية الفلسطينية إلى الواجهة في المحافل الدولية، وخروج المسيرات في عواصم العالم، تضامناً مع قضية الشعب الفلسطيني، لكن أهم ما حققته مسيرات العودة كشفها حقيقة “الغيتو” الإسرائيلي، وهذه بداية انهيار المشروع الصهيوني من الداخل.

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *