المحروقات تحرق من حرر أسعارها

محمد إسماعيلي 20:31 - 24 أبريل 2018

بداية لا بد أن أسجل دعمي و مساندتي لكل عمل أو حركة احتجاجية جماهيرية واعية ترمي إلى استعادة حق مشروع أو انتزاع مكسب عادل سواء تعلق الأمر بمطلب اجتماعي أو ثقافي أو اقتصادي أو سياسي.. أو كان لصالح عموم الشعب أو لإحدى فئاته المقهورة.. أو كان مقاطعة منتوج أو أكثر كما هو شأن هذه الحملة التي شملت ثلاث مواد: محروقات محطات أفريقيا دون غيرها و حليب سونطرال دون سواه و مياه شركة سيدي علي فقط.

أردت بهذه المقدمة أن أوضح الأمر تجنبا لكل مزايدة من هنا أو هناك و باعتباري مخلوق عاقل له ملكة التفكير و التمييز بين الصواب و الخطأ يحق لي أن أطرح كل الأسئلة و أن أبحث لها عن الإجابات التي أعتقد أنها صحيحة و مقنعة و معقولة حتى تكون مساندتي للحملة عن وعي و ليس جهل و دعمي للمقاطعة عن اقتناع و ليس اتباع.. و إني أجد في حركة المقاطعة أسلوبا نضاليا جديدا قد يعطي ثماره فيما تعجز عنه الأساليب الأخرى و على القوى الحية في البلاد التي تدعي وقوفها إلى جانب الشعب الكادح و الدفاع عن الجماهير المسحوقة أن تتبنى هذا الشكل النضالي و تدعمه و تطوره..

و من جملة هذه الأسئلة التي تفرض نفسها و بإلحاح و هي تساؤلات مشروعة أذكر ما يلي:

من أطلق هذه الحملة و من يقف وراءها ؟ لماذا في هذا الوقت بالضبط؟ لماذا هذه المواد دون غيرها ؟ هل هي فعلا حلمة ترمي لخفض الأسعار التي اكتوى بنارها الشعب أم تصفية حسابات سياسوية و اقتصادوية؟ لا أدعي أني أملك الجواب القاطع لكل هذه الأسئلة و لغيرها التي قد يطرحها الآخرون لكني أقدم بعض عناصر الأجوبة لتكون أرضية للنقاش الهادف إلى نشر الوعي على مساحة أوسع ليكون عموم المقاطعين و المحتجين علي بينة من أمرهم.

وليتبين للمترددين و الممتنعين صحة دعاوي المقاطعين.. لارتفاع الأسعار أسباب عدة ليس المجال هنا لسردها كلها لكن فيما يتعلق بالمحروقات فهنالك سبب أساسي قد ينساه أو يتنساه البعض إنه القرار المجحف واللاشعبي الذي اتخذه بنكيران خلال ولايته لرئاسة الوزراء و القاضي بإلغاء صندوق المقاصة و بذلك رفع يد الدولة عن دعم المحروقات و سلم رقاب الشعب برمته لجشع الشركات كلها و ليس أفريقيا فقط و إنما كذلك طوطال و شل و غيرها و التي لا تبحث سوى على الربح و بكل الطرق.. وبعدما كانت الدولة تتدخل لدعم أسعار المحروقات أصبحت تتفرج بين زيادة أرصدة الشركات العملاقة و جيوب المواطنين الخاوية الوفاض و هكذا يكون بنكيران و حكومته المسؤول الأول عن الارتفاع الصاروخي لأسعار المحروقات الذي نعاني منه الآن إضافة إلى معاناتنا من قراراته المجحفة الأخرى و منها ما أسماه بإصلاح صندوق التقاعد..

لقد تجرأ بنكيران على تنفيذ تعليمات صندوق النقد الدولي و اتخذ قرارات مجحفة في حق عموم الجماهير ما لم يتجرأ عليه غيره من رؤساء الحكومات الذين سبقوه حتى خلال سنوات الرصاص في عهد الراحل الملك الحسن الثاني و قدم بنكيران للمؤسسات البنكية الدولية من تنازلات ما لم يقدمه غيره من المسؤولين.. تحميل المسؤولية لحكومة بنكيران فيما يخص ارتفاع أسعار المحروقات لا يلغي الأسباب الأخرى و لا يشكك في حملة المقاطعة ليس لمحطات أفريقيا و إنما لكل المحطات و تطوير هذا الشكل النضالي من خلال الدعوة إلى الاستغناء عن وسائل النقل الخاصة إلا للضرورة القصوى و استعمال وسائل النقل العامة و الدراجات الهوائية و الأرجل للمشي و نورد هنا حادثة ارتفاع سعر البيض في الأرجنتين قبل بضع سنوات حيث استيقظ الشعب في أحد الأيام على الزيادة في سعر البيض فماذا فعل المواطنون؟

ببساطة استغنوا لعدة أيام عن استهلاك البيض فتركوه يفسد في المحلات التجارية فما كان من التجار بُداً من رفض إنزال كميات جديدة من البيض في محلاتهم بل أعادوا ما بقي عندهم إلى مستودعاتهم في انتظار أن تمر زوبعة المقاطعة لكن المستهلكين كانوا واعين و مصرين على مواصلة المقاطعة.. تكدس البيض في المحلات و المتاجر و المخازن و الثلاجات و بيوت التبريد و الشركات فاضطر التجار تحت سيف المقاطعة إلى إلغاء الزيادة و العودة للسعر القديم للبيض لكن المواطنين كانوا أكثر إصرارا على تلقين درس للتجار الجشعين و الشركات الشرهة فاستمر الشعب في المقاطعة حتى اضطر التجار إلى إنزال سعر البيض عن ثمنه الذي كان قبل الزيادة و مع ذلك واصل المستهلكون مقاطعتهم حتى اضطر التجار و الشركات علي بيع البيض بربع ثمنه مصحوبا باعتذار رسمي للمستهلك..

هكذا قاد الشعب الأرجنتيني الواعي معركته بنجاح و بحكمة دون ضجيج و لا عويل و باتفاق واع و مسؤول يعرف مصلحته أين تكمن.. يقودنا البحث إلى التساؤل هل بمقاطعتنا لمحطات أفريقيا ستتفضل المحطات الأخرى بتزويدنا بما نحتاجه من محروقات بثمن أقل أم ستستغل فرصة إقبال زبائن أفريقيا عليها لرفع الثمن عملا بقانون السوق المعروف العرض و الطلب و بالتالي تكون مقاطعتنا لشركة واحدة دون غيرها هو تقديم خدمة مجانية للشركات الأخرى في نفس المجال لذلك أرى حسب وجهة نظري المتواضعة أن تشمل المقاطعة كل محطات الوقود و كل شركات المحروقات..

و نفس الأمر يقال على المواد الثانية و للتذكير فقط أنه كانت هنالك من فترة وجيزة معركة بين الفلاحين و شركة الحليب حول سعر شراء الحليب من مراكز التجميع حيث طالب المنتجون بزيادة ثمن بيعهم للشركة و طبعا زاد ثمن التكلفة بالنسبة لشركة الحليب فأثر على هامش الربح لديها مما جعلها ترفع السعر و بالتالي الذي يدفع هذه الزيادة هو المستهلك.

الاكتفاء بمقاطعة منتوجات شركات بعينها دون غيرها من الشركات التي تنتج نفس المواد قد لا يؤتي أكله بل سيصب في مصلحة الشركات المنافسة دون أن يستفيد المستهلك شيئا كما تصبح المقاطعة عبارة عن تصفية حسابات بين متنفذين و متسلطين لا ناقة و لا جمل للمستهلك فيها.. بإمكاننا أن نستغني لبعض الوقت عن سياراتنا الخاصة فلا نزور أي محطة لأية شركة لتزويدنا بالوقود بالثمن الذي يفرضونه علينا و نحن مقبلين على فصل الصيف حيث يعود المغتربين بسياراتهم فيكثر الطلب.

بإمكاننا أن نستغني لبعض الوقت عن سياراتنا الخاصة فلا نزور أي محطة لأية شركة لتزويدنا بالوقود بالثمن الذي يفرضونه علينا و نحن مقبلين على فصل الصيف حيث يعود المغتربين بسياراتهم فيكثر الطلب على الوقود و بالتالي ننتظر ارتفاعات أخرى لأسعار المحروقات ما دام بنكيران قد حرر الأسعار بإلغائه لصندوق المقاصة.

و بإمكاننا أن نستغني كذلك لبعض الوقت عن حليب كل الشركات خاصة و نحن على أبواب شهر رمضان حيث يرتفع استهلاك الحليب و يكثر الطلب فيرتفع السعر أكثر و أكثر. و بإمكاننا الاستغناء على المياه المعبأة أو المعدنية و نكتفي بالمياه الصالحة للشرب و يمكن غليها أو تزيينها بقطعة ليمون لمن لديه القدرة على ذلك لتصبح ألذ للشرب.

المقاطعة سلاح ردع فعال في يد المستضعفين يلحق أضرارا اقتصادية بالمحتكرين و الجشعين و يستطيع أن يحقق ما قد يعجز عنه وسائل و أساليب أخرى و تؤتي المقاطعة أكلها لما تكون عن وعي تام و تنظيم محكم و وضوح بين لا لبس فيه..

مجرد وجهة نظر قد تصيب و قد تخطئ و مجرد رأي لا يدعي الكمال أو امتلاك كل الحقيقة.

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *