الموظف الجديد

يوسف توفيق 15:55 - 12 يناير 2019

عندما يلتحق موظف جديد باداراتنا لا يكون له مكتب خاص، كيف يكون له، ونحن الذين أمضينا سنوات طويلة نجتمع جماعات حول مكتب واحد، نجتمع كذلك حول حاسوب واحد مفصول عن الانترنيت لنلعب لعبة الورق.

فرقوا علينا في مستهل الشهر أقلاما جافة، اكتشفنا فيما بعد أنها غير صالحة للاستعمال. عندما تكتب مراسلة تضطر لتعديلها مرات عديدة بناء على ملاحظات رئيس المصلحة، ورغم أنها مجرد سطرين او ثلاثة فإن لحيتك تنبت قبل ان تصبح جاهزة، وتذهب لاستلاف بعض الورقات من أجل الطباعة. اذا تبقى بعد الطباعة ورقات فإنك تحتفظ بها لاستعمالها عند الحاجة داخل الدرج الخشبي مع تأكدك من إغلاقه بإحكام بمفتاح صغير.

عندما يفرغ احد الكراسي يجلس الموظف الجديد بعد طول وقوف وتلمس مؤخرته لأول مرة القاعدة الصلبة للكرسي، أغلب الكراسي التي بمكتبنا قديمة او مهترئة وبعضها بدون رجل رابعة، وكثيرا ما طوح بأحدنا حين يتساهل في أخذ الاحتياطات اللازمة فيهوي بثقله عليه، ولا يشعر حتى يختل توازنه فيسقط أرضا وسط قهقهات الجميع. في الحقيقة كنا نضحك في البداية، لكن مع مرور الوقت صار الموقف لا يستدر اي ضحك، نكتفي فقط بمد ايدينا للموظف حتى يقوم وهو يمسح ما علق ببذلته من اتربة.

الموظف الجديد بشارب أنيق ويضع نظارة طبية و يرتدي بذلة سوداء جديدة..وحتى دون سؤاله فإنه واحد من اثنين، إما حاصل على شهادة عليا في تخصص نادر، وإما جاء بوساطة قوية لقريب من جهات عليا أجرى مكالمة هاتفية سريعة مع أحد المسؤولين الكبار في إدارتنا. لا يتبقى بعد الاحتمالين السابقين إلا أن يكون له حظ يهرس الحجر، فأغلب الموظفين الجدد يعينون في المصالح اللاممركزة ويلبثون هناك حتى يتقاعدوا او يقضوا نحبهم لا مبدلين ولا مغيرين.

الموظف يوثر الصمت، والصمت إحدى القواعد الذهبية التي يجب التزامها، ونحن نثرثر كثيرا بعد أن تمرسنا لسنوات طويلة في الصمت والتوجس، الآن صار بمقدورنا ان نتحدث بكل حرية عن البارصا والريال وما يحدث في مملكة النيبال وجمهوريات الموز، وان ننتقد سياسة بعض الانظمة الشمولية في اسيا والقرن الافريقي.

يظل الموظف الجديد لغزا محيرا حتى يخرج من روندته، لكن هندامه الانيق ونظارته الطبية وشاربه السبعيني علامات تدل على أنه أمضى سنوات طويلة في العلم والتحصيل وان له ثقافة واسعة وانه لا شك سوف يخصب نقاشاتنا حين ينضم الينا بعد انقضاء فترة الصمت.

ارتفعت اصواتنا ذات مرة وعلا صوتي حين طلبت الكلمة معلقا على قمع الحريات في بلد لم أعد اتذكر موقعه على الخريطة قائلا :

-متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم أحرارا؟
عدل الموظف وضع النظارة على ارنبة انفه وررد بخشوع ظاهر:
-صدق الله العظيم
قلت في نفسي:

-صدق الله وكذب حدسي!

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *