النخبة وسياسة “التضبيع”

محمد أحداد 16:37 - 2 يونيو 2019

نثير في ملف نهاية الأسبوع موضوع تدجين النخب، والوسائل التي تلجأ إليها السلطة لاحتواء معارضيها واستقطاب الأصوات المزعجة. وطيلة هذا المسار الطويل الذي أفلتت منه نخب قليلة جدا، كان المخزن ميالا إلى التلويح بـ”الجزرة” بدل العصا، موقنا بأنها فعالة في ضبط نخب وأحزاب وهيئاتٍ بمجرد أن تتذوق حلاوة السلطة تتحول إلى مسخ، والأمثلة على ذلك كثيرة.
لكن حملة المقاطعة الشعبية والحراكات الاجتماعية أثبتت إلى أي مدى قد تكون “الجزرة” أداة تطويع. وقتها، كنا نتساءل كل يوم بمرارة: أين اختفى المثقفون؟ ألم يحركهم حراكُ الريف والآهات الحرّاء لعمال “الساندريات” ولا تحريرُ الدولة للفضاء العمومي بالقوة ولا موتُ الأحزاب ولا المقاطعةُ الشعبية التي أسست لما سماه المفكر عبد الله حمودي بسلطة “القدرة على عدم الشراء”؟
كان أمرا مريرا أن يستكين المثقفون ويتواروا في لحظات الورطة الجماعية والأزمة السياسية، لكنهم أخيرا ظهروا.. ظهروا في لائحة مضحكة تدعو المواطنين إلى إيقاف مقاطعة “سونطرال”… مثقفون وجزء من المدعين ونفر ممن وصفوا أنفسهم عنوة بعلماء الاجتماع والخبراء وبعض ممن أصبح يطلق عليهم “يسار دانون” وقعوا على عريضة أشبه بصك براءة للشركة الفرنسية وإدانة للمقاطعين…
بعض المثقفين عندنا ممن حقنوا بداء السلطة المزمن ومعادة كل ما يؤسس له الاحتجاج بالطرق السلمية بعيدا عن الأحزاب والجمعيات والنقابات، وممن تقترن الكتابة عندهم بالخوف والرقابة الذاتية، يريدون التأسيس لمفهوم جديد وغريب للمثقف.. يريدون بالتحديد أن يصبح المثقف آلة ميكانيكية تشتغل في مختبر للأفكار أو في محترف للتنظير أو أن يصير الكاتب مجرد “شيء” يمتلك رأسا ومعدة يخضع لقانون العرض والطلب.
قلت إن الأمثلة كثيرة، لكن ما حدث في المقاطعة الشعبية كان مخجلا إلى حد أن تجمعا مثل “اتحاد كتاب المغرب” ابتلع لسانه غارقا في صراعات الزعامة و”الريع الثقافي”.
اتحاد كتاب المغرب، الذي كان في لحظات مختلفة من تاريخ مغرب ما بعد الاستقلال في الصف الأول لمواجهة انزياحات السلطة، صار اليوم كيانا باعثا على الحسرة ثم على اليأس، وكل همه أن يظفر ببعض الزيارات ويصدر مجلة يتيمة جدا في غير موعدها الحقيقي ويعجز عن تنظيم مؤتمره، وفوق ذلك -وهذه هي الطامة الكبرى- أن يستكين للحياد في قضايا مجتمعية مصيرية تهد البلاد والعباد إلى الحد الذي نصدق معه أن اتحاد الكتاب يشبه مؤسسة رسمية تابعة للدولة مثل المجلس الوطني لحقوق الإنسان والمجلس الاقتصادي والاجتماعي… ما الفرق في الأخير بين مؤسسة رسمية وبين اتحاد متهالك لا يمتلك الشجاعة الكافية ليعلن وفاته…
في الاحتجاجات الشهيرة بفرنسا نهاية ستينيات القرن الماضي، لم يقل دوبري وسارتر وبيير بورديو، الذين قادوا الثورة الطلابية المتمردة على التقاليد الدوغولية الفرنسية، إن المثقف عليه أن يكون منسلخا عن حركية المجتمع أو سخروا من دعوات الطلاب وجزء من الطبقة المتوسطة (كما فعل الموقعون على الوثيقة التاريخية)، بل إنهم، وبالإضافة إلى التراكم المعرفي الممهد للثورة، كانوا في طليعة الغاضبين إثر سطوة الطبقة الواحدة وإثر الفهم المقلوب للثورة الذي كان يدافع عنه اليسار الراديكالي الفرنسي؛ وفي حمأة مواجهة النازية، لم يقل روني شار إن مواجهة هتلر لا يمكن أن تنهض أمام جو الشحن والتجييش والرغبة في الاقتصاص، وإنما خاض معركة الحياة والموت لإيمانه ببشاعة النظام الباحث عن المجال الحيوي؛ ولم يقل اليوسي للسلطة نعم ولم يهادن؛ ولم يرتكن الجابري والعروي أيام كان الاتحاد يقود القوات الشعبية في الزاوية البعيدة؛ وسقراط لم تمنعه شهرته من أن يبث دعوته في الناس وأن يحارب الفكر المتكلس في الساحات العامة… إنه تاريخ طويل من نضالات المثقفين ضد الظلم والاستبداد وضد أن تسود ثقافة “نعم” التي نجحت فعلا في تربية جيل كامل من “الضباع” كما توقع الراحل جسوس…

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *