الورد جميل

علي أزحاف 12:29 - 27 مارس 2018

أشارككم أصدقائي نصي القصصي “الورد جميل”، الذي شاركت به في ملتقى السرد بمدينة أبركان ،مرفقا بمقتطف من القراءة النقدية التي خصه بها الأستاذ الناقد نجيب العوفي.. Najib Elaoufi

الورد جميل

وأنا اضع الصحن فوق المائدة، ساعة الظهر القائظ،ندت عني التفاته لا ارادية الى الخلف. راعني مشهد رأس حمار وهو يتطاول من فوق عنقه الطويلة النحيفة المكسوة بفروة لها دكنة منفرة،ويفتح فمه الواسع عن اسنان عريضة مصفرة مثل أسنان مدمني الكيف والسجائر الرخيصة.
نهق الحمار نهيقا حادا موحيا ، انتصبت له اذناه، ثم راح يقضم ,بشراهة ونهم سيقان الورد وأذرعه الممتدة من أصص فخارية مرصوصة على حافة النافذة.
إجتاحتني حالة غضب عشواء،وضعت الصحن بشيء من الصلافة ،فتناثرت من تحت غطائه شذرات مرق بقّعت المفرش الأبيض الذي كان منسدلا بتراخ فوق مائدة الطعام. خلعت حذائي عن قدمي ,ثم هرولت راكضا مثل أحمق متهور ,لأنزل به بكل ما أوتيت من قوة وعنف ،على رأس الحمار، الذي ،وكمن فاجأته ردة فعلي, رفع نحوي عينين تائبتين، يسكن عمقهما حزن وأسى جميع أطفال القارة السوداء،أسئلة كل فلاسفة العصر الهيلليني،وأخر ما أستجد في نظريات خلق العالم وخنقه,, ثم استمر ،في هدوء مستفز, ليس بغريب عن حمار, في مضغ رقاقات الورد الندية, التي ظلت تتدلى من شدقيه الرطيبين مثل دموع متجمدة في مأقي صبية يتمتها قنابل حرب غير عادلة.
توقفت عن الضرب والشتم والزعيق , تصلبت يدي جامدة بالحذاء فوق رأسي, حتى كادت ان تلامس المصباح المتدلي من سقف الغرفة،وكانت هنالك شمس زوالية قوية ،تسقط من الخارج، تخترق إطار النافذة، لتشكل حول أذني الحمار هالة نورانية لها وميض قدسي،وكانت ظلال رأس الحمار ترتسم مباشرة فوق الجزء السفلي من بطني وتبدوا أذناه،كما خنجرين حادين يشقان مني الصدر والرئتين.
انطفأت مشاعر الحنق الشديد في داخلي،انسلخ الغضب عني كما قميص متسخ،وسكنتني سكينة بوذية…إنغسل الحقد من روحي وتحول الى تعاطف عارم يليق بقسيس يقوم بتناول اعترافات مظلوم محكوم بالإعدام..والحمار مازال منتشيا، يمضغ و يسرط بقايا وليمته العشبية، يتلمظ بتلذذ شهواني ،يرميني برصاص براءة عينيه الدعجاوين، بدا لي وكأنه يهز رأسه الظخمة هزات خفيفة،آسفا ،يرثي لحالي، ويكسر جفنا، هازئا بي وبمألي..
نكصت على أعقابي،أخطو بوهن نحو مائدة الطعام، تعقبتني ظلال الحمار لمسافة قصيرة على أرضية الغرفة،ثم انحسرت.
بعد أن إحتذيت فردة حذائي في قدمي اليسرى تيمنا، رفعت الغطاء عن الصحن الفخاري،فانبعثت منه رائحة طجين مغرية وعاتية،ملأت مني الإحساس والنظر, فكرت ،بعقل حمار طبعا، وبشعور من يعاني من تبكيت ضمير مزمن….كيف لي ان آكل ,عند جوع، بشهية كتيبة من الجنود المشاة
أضاعوا الطريق الى معركتهم, في ليلة شاتية بردها يأكل من الجسم العظام ،وأخول لنفسي حق حرمان حمار هزيل ذي مسغبة، من أكلة سانحة،قطوفها دانية،حتى ولو كانت سيقان وأذرع ورد جميل.

 

الورد جميل / لعلي أزحاف(نجيب العوفي)

في سياق كوميدي – ساخر وماكر ، يكتب علي أزحاف نصه (الورد جميل) .

عنوان جميل لنصّ مفخّخ ، يشبه الذمّ بما يشبه المدح أو المدح بما يشبه الذمّ ، كما يقول البلاغيون .

والمفارقة القصصية في نص (الورد جميل)، هي الثنائية الضدّية بين الحمار والورد الجميل الذي يلتهمه بأناة وشهية ، غير آبه بما حوله .

وكأني بالقاص / الشاعرعلي أزحاف يسْتحمر العالم ، أو يضحك على العالم ومخلوقاته العجيبة ، من خلال هذه القصة الساخرة – الماكرة .

والسخرية والمكر ، من أروع أسرار القصة القصيرة ، وأنطون تشيكوف شاهد على ذلك .

في قصة (الورد جميل) يبدو الحمار بامتياز ، هو الشخصية الرئيسة

protagoniste

وإن كان السارد في كثير من الحالات وحسب وجهة نظر جيرالد برنس ، هو البطل الحقيقي أكثر من أيّ شخصياته .

وحمار علي أزحاف يقف على النقيض تماما من حمار بوريدان . فهو حمار شره جرئ خلافا لحمار بوريدان الكسول المتردّد .

والسؤال الذي يبادهنا ونحن نقرأ هذه القصة عودا على قراءتنا التأويلية /

ما هي الرسالة تُرى ، التي يريد القاص أن يمرّرها عبر هذه القصة ؟

هل هي سخرية من الورد الجميل ، ذي الرمزية الرومانسية في الذاكرة، أم سخرية من الحمار ذي الرمزية الواقعية – الغبائية في الذاكرة ، أم من كليهما معا ؟

أم هي سخرية مُرّة من واقعنا المرّ ؟

أستحضر هنا قولة مأثورة لفيلسوف الساخرين برنارد شو يقول فيها عن الديمقراطية التي يلوكها العالم ( إن الديمقراطية لا تصلح لمجتمع جاهل ، لأن أغلبية من الحمير ستحدّد مصيرك ) .

يذكّرنا النص بسلالة عريقة من الحُمُر الإبداعية – الحكيمة ، كان الحمار

فيها ضيف شرف بامتياز. /

الحمار الذهبي / للوكيوس أبوليوس الأمازيغي

حمار بوريدان

حمارخوان رامون خيمينيث / بلاتيرو وأنا

حمار الحكيم / لتوفيق الحكيم

وأخيرا وليس آخرا ، حمار حسن أوريد / سيرة حمار .

كل هؤلاء امتطوا ظهر الحمار الصبور الحكيم ، لتمرير رسائلهم المشفّرة

الملغومة . والحمار غيرآبه ، لأنه منشغل بالتهام الورد الجميل في ضيافة

علي أزحاف .

هذه السخرية الإبداعية المشاغبة من بعد ، سمة أساسية لعلي أزحاف سواء أكتب قصة أم قصيدة أم تغريدة فليسبوكية .

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *