انتصار الصناديق التمويلية الغربية في مهرجان قرطاج

عبد الإله الجوهري 13:45 - 11 نوفمبر 2018

أن تفوز أغلب الأفلام “الفرنكفونية”، و البعض الأخرى الممولة من الصناديق الغربية، بأغلب الجوائز في مهرجان قرطاج السينمائي، يعني أن السينمات الوطنية بالعالم العربي وإفريقيا تعيش أسوأ أيامها وتراوح مكانها بعد الضربات التي تلقتها وتتلاقاها دون رحمة أو شفقة..

هذا لايعني أنني ضد البحث عن التمويل، أو أنني أعتبر السينما فضاء مغلق للإشتغال، وأن هناك حدود وجب وضعها أمام التعاون المشترك والإبداعات المنطلقة في سماء الخلق الحق.. أبدا، بل بالعكس، أنا أعتبر السينما فن عالمي يتعالى عن كل التصنيفات والهويات القاتلة والخانات الضيقة… بمعنى أنني ضد التموقع والهيمنة والتوجيه، توجيه الإبداع، بقوة المال والعلاقات واللوبيات، لكي ينتصر لسينما بملامح معينة ومواضيع محددة، مثلما يقع الآن في أوطاننا المنكوبة من خلال هجوم جارف للقوى الظلامية والمخططات الغربية الساعية لتنميط ثقافتنا وتكريس جهلنا وتصوير عاهاتنا بشكل عار وحاف.

في قرطاج السينمائي، وقبلها في مهرجانات عربية وإفريقية، أصبحت الكلمة العليا لكل منتوج فيلمي متمسح بأعتاب الأبواب العالية لبعض الدول المجتهدة في تكريس أكثر فأكثر عاهاتنا الإقتصادية والسياسية والإجتماعية. لن أذكر عناوين الأفلام المنبطحة الغارقة في هم ونكد الوقت العربي والإفريقي، لأن الكل يعرفها، بل وهناك من ينتصر لها من باب أن يحسب على صف الحداثة والمعرفة المتحذلقة للسينما على الرغم من ضعفها وبساطة أساليب معالجاتها، لكن فضيلتها الوحيدة أنها منحازة للآخر القوي بترسانته المادية والإعلامية.

الفرنكوفونيون في عالمنا العربي المقهور، خاصة منهم المغاربة، أربعة أصناف، صنف مثقف ثقافة فرنسية متوسطة يحاول تصريفها بكل الأشكال، محاولا القفز على الثقافات المحلية، الثقافات التي يجهلها وبالتالي يعتبرها رجعية متخلفة لا تستحق الإلتفات والإهتمام. وصنف ثان يلوك فرنسية مكسرة ويغرق في محاولات التشبه والإندساس في الصفوف الأمامية للمتفرنسين، لكي يقال عنه كبير الشأن والحال، وهو يعلم أنه صغير بمعرفته ومواقفه وخرجاته. وصنف ثالث لا في العير ولا النفير، بمعني أن لا علاقة تجمعه بالثقافة عامة والفرنكوفونية خاصة، ومع ذلك ينتقم من جهله المطبق بالتصفيق والرقص على ايقاعات شاذة، والخروج في الأوقات المقتطعة من الزمن الخبيث. وصنف رابع، يتمنى أن يكون فرنكوفونيا، رغم أنه يخفي تلك الرغبة بين جوانحه ولايظهرها تقية، رغبة تخونه كل ما كانت هناك مناسبة سينمائية ما أو احتفاء ما، فتجده يدبج خربشات غارقة في تفاصيل الجهل و يقفز في الفراغ أوالسباحة دون تبان..

كلامي أعلاه لا يعني أنني ضد الثقافة الفرنسية الجادة بأدبها ورموزها الشهيرة، بل بالعكس، أفتخر، أيما افتخار، أنني قرأت منذ نعومة اظافري لكبار الكتاب الفرنسيين، وأحببت مؤلفات خالدة لسادة الكتابة الروائية والفكرية الفرنسية، بل يمكن أن أقول: أن رواية “الغريب” لألبير كامي، كان لها الفضل الكبير في تشكيل شخصيتي و نظرتي للوجود والأشياء..

ما أعنيه جملة وتفصيلا بالفرنكوفونية، هي الفرانكوفونية المتسيسة العنصرية المؤسسة على خلفيات استعمارية، خلفيات تنظر لشعوب الجنوب عامة كمستعمرات، يجب أن تبقى خاضعة للوجود الفرنسي، بل غارقة في سياساته وفهمه للعالم، ومنتصرة لقضاياه الإقتصادية والثقافية الخاسرة، وأن يبقى لها موطأ قدم، من خلال أناس تتلمذوا بشكل غير مباشر في مدارس عتاة الإستعمار، نموذج ليوطي بالمغرب، أو بشكل مباشر على يد بيرنار هنري ليفي وسدنة تفكيك الدول والحكم عليها بالدمار والخراب.

الأفلام التي فازت بمهرجان قرطاج في عمومها تسير في هذا الإتجاه، اتجاه تترجمه بكل وضوح مضامين الأفلام و أسماء الصناديق والأشخاص المذكورين في الجينيريكات، وهو وضوح غامق رازح على الصدور، و قاتل من حيث يدري الغرب، ولايدري الإخوة العرب والأفارقة، للإبداعات الحرة المستقلة…

ولعل فوز فيلم “فتوى”، الذي أجمع أغلب من حضروا الدورة، على خروجه عن النص المطلوب، على الاقل مضمونيا، وعدم الوفاء لمسار مخرجه المعروف بالجدة والجودة في أفلامه السابقة، وذلك بتقديمه موضوع جد مستهلك عن التطرف والمتطرفين والقتل والقتلة، و إعادة إنتاج اللامعنى في مقاربة موضوع شائك حارق والقول أننا إنتهينا من خلال الخروج بخلاصة صادمة يائسة .

لو أن محمود بن محمود تناول موضوع التطرف الإسلاموي المقيت بكل استقلالية وبحث حقيقي عن الجذور والتجليات والإمتدادات، دون الوقوع في محظور قتل بطل الفيلم وزرع اليأس والسواد في نهاية الشريط، السواد الذي يعني أن لا أمل في مستقبل تونس، ومن خلالها في العالم العربي، و عدم التأكيد على أن كل الأمل يتجلى في البقاء بين أحضان ماما فرنسا، والدعوة ضمنيا إلى الهروب من الوطن و عدم الوقوف في وجه الظلام المتغلغل بيننا وفينا، ظلام التطرف الإسلاموي الحقير الذي يزحف في كل الاتجاهات..

لقد تغلغلت فرنسا الإستعمارية في حياتنا الثقافية، وأضحت توجه ذائقتنا الفنية، وتبذل من أجل ذلك الأموال الطائلة، التي تصرفها بكل سخاء، من أجل إنقاد سياساتها الخارجية في بلدان مستعمراتها السابقة، ومحاولة الدفع بالفرنسية وثقافتها المترهلة اليوم، نحو الصفوف الأمامية، خاصة وأنها لغة تعاني من التراجع في العالم، لحساب لغات أخرى، بل وتحتل مرتبة تالية عن مرتبة اللغة العربية بالأمم المتحدة. و تهتم أكثر وأكثر بتشكيل لجان مخدومة في المهرجانات، يهيمن عليها عتاة الفرنكوفونيون والخاضعون لتوجيهاتها الرسمية، يكفي أن نلقي نظرة عن الأسماء المشكلة للجان التحكيمية في مهرجاناتنا العربية، لنعرف مسبقا لمن ستمنح الجوائز، وهو ما تمت ترجمته سابقا في مهرجان السينما الوطنية(المغرب) خلال دورته الأخيرة(دورة 2018) وحصل اليوم في قرطاج الطاهر شريعة الذي ناضل من أجل سينمات افريقية وعربية وطنية.

ورغم كل ذلك، لايسعني إلا أن أقول: مبروك لتونس بنجاح دورة أخرى من دورات مهرجان سينمائي أصيل، ومبروك للجنة المنظمة بقيادة الصديق نجيب عياد، الذي عرف كيف يدير دفة السفينة في زمن الفوضى التي يحاول زرعها دعاة الفتنة والفكر الغيبي المتخلف. وشكرا على الدعوة الكريمة للحضور والتفاعل ومشاهدة أفلام جميلة كانت في نظري تستحق أن تتوج بالنظر لجدتها وجديتها..
مبروك مبروك مبروك..

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *