تقسيم المغرب…ثابت تاريخي

عبد الله بوصوف 9:41 - 27 أبريل 2016

أثار خطاب صاحب الجلالة أمام القمة المغربية الخليجية بالرياض قضايا غاية في الحساسية تقتضي الانتباه إلى مخططات التقسيم والتحالفات الهادفة إلى التفرقة التي تهدد استقرار وأمن المنطقة العربية، ومحاولات إشعال الفتنة وخلق الفوضى الجديدة التي لا تستثني أي بلد، نعم لا تستثني أي بلد و تطرح بذلك قضايا تفتيت الدول كما تناولها العديد من المفكرين قبل السياسيين و كثير من مراكز الدراسة.

وفي هذا السياق فإن المغرب لا يوجد بمعزل عن هذه المخططات التي تستهدف استقراره وتجعل من وحدته الترابية مجالا للمناورات، ولا تتردد كلما سنحت الظروف على العمل على “نزع الشرعية عن تواجد المغرب في صحرائه، أو تعزيز خيار تقسيم المغرب و أطروحة الانفصال، أو إضعاف إهمال مبادرة الحكم الذاتي، التي يشهد المجتمع الدولي بجديتها ومصداقيتها ، كما جاء في نص الخطاب الملكي.

إن مسألة استهداف المغرب من قبل القوى الخارج ليست وليدة اليوم ولا تدخل في إطار تعبير “نظرية المؤامرة” الذي يرفع في وجه كل من يثير التساؤلات المقلقة، ولكن هناك العديد من القرائن التاريخية التي تدعم هذا الطرح منذ قرون؛ كما أن حدة المناورات وخطورة الاستهداف الخارجي ترتفع وتنخفض بحسب الظروف والسياق السياسي الإقليمي والدولي. غير أن الثابت في علاقة قوى الإستعمار بالمغرب منذ مئات السنين هو أن تقسيم المغرب و تفتيته و إضعافه كان دائما أولوية لذى القوى الاستعمارية و التي يطلق عليها اليوم بتعبير العلاقات الدولية القوى الكبرى.

فبالعودة إلى التاريخ قد نتمكن من فك خيوط القضايا الراهنة؛ والتاريخ يقول بأن المغرب قد واجه منذ بداية حروب الاسترداد، وسقوط آخر قلاع المسلمين مع تسليم عبد الله الصغير لمفاتيح غرناطة سنة 1492، (واجه) أكثر من 30 حملة صليبية تستهدف إضعافه وتفكيك تماسكه، لكن الإمبراطورية المغربية كانت دائما الصخرة التي تتحطم عليها أوهام التوسع الأوربي في إفريقيا والعالم الاسلامي.

فكانت معركة وادي المخازن محطة فاصلة أنهت المطامع التوسعية لإمبراطورية البرتغال؛ حيث لم تنفع ملكها الشاب الدون سباستيان مساندة خاله ملك إسبانيا، للسيطرة على قلاع السعديين واجتياح إفريقيا وصولا إلى المستعمرات البرتغالية في القارة السمراء، فوضعت ملحمة “الملوك الثلاثة” حدا لنصرنة المغرب، ودقت اخر مسمار في نعش الأوروبيين الحالمين بالسيطرة، وقوّت شوكة الدولة السعدية وساهمت في إشعاع السلطان أحمد المنصور الذهبي الذي وصل نفوذه إلى غاية تومبوكتو.

تداعيات هذا الانتصار أعطت المغرب حصانة بسيكولوجية، ومكنته من اكتساب هيبة جعلت منه قوة إقليمية لم تزعزعها حتى الإمبراطورية العثمانية التي وفن بلغ نفوذها حدود المغرب الشرقية إلا أن المنفذ الأطلسي ظل صعب المنال. وهذه الهيبة والحصانة البسيكولوجية هي ما تفسر تأخر استعمار المغرب إلى غاية 1912 بالرغم من تربص الفرنسيين والبريطانيين بالمنطقة عقودا قبل ذلك وتمكن فرنسا من ضم الجزائر إلى أقاليمها منذ 1830.

إلا أن هزيمة المغرب أمام الفرنسيين في معركة “إيسلي” سنة 1844 عندما أراد السلطان المغربي مساعدة المقاومة الجزائرية بقيادة الأمير عبد القادر وتحرير الجزائر من الاستعمار، أعادت إحياء المطامع الاستعمارية في المغرب؛ حيث أن الغرامات الاقتصادية وتدمير الموانئ أنهك الاقتصاد المغربي، وكشفت الشروط المجحفة لاتفاقية لالة مغنية (1845) الضعف السياسي والدبلوماسي المغربي أمام ضغوطات فرنسا. كما زاد من إضعاف المغرب هزيمة تطوان أمام إسبانيا هذه المرة سنة 1860، وما فرض عليه من تنازل عن جزء من أراضيه وتعويض خسائر إسبانيا في الحرب.

بالإضافة إلى ذلك، وبالرغم من تمكن الحسن الأول من صد الأطماع المتزايدة للأوربيين في الظفر بنصيبهم من الكعكة المغربية، بعد أن أغرقوا البلاد في الديون وتغلغل رؤوس الأموال الأجنبية وأفلس التجار المغاربة، إلا أن سياسته التقشفية ومحاولته الحفاظ على التماسك الاقتصادي لم تمنع الأوروبيين من اغتمام امتيازات كبيرة ومجحفة بالنسبة للمغرب الذي قبِل تزايد المحميين وتراجع مداخيله من الضرائب، والمس بسيادته لدرجة أصبحت القوى الأوروبية تتقاسمه فيما بينها وتبيح لنفسها اتخاذ القرارات مكان السلطان.
وهكذا أنشأت بريطانيا خطا للتلغراف بين جبل طارق وطنجة دون موافقة السطان، وحصل الألمان على حقوق تجارية باتفاقية 1890، وكانت لاتفاقية الفرنسية الانجليزية لسنة 1904 حاسمة في إطلاق اليد الفرنسية في المغرب مقابل تخلي فرنسا لإنجلترا على مصر؛ سنتان بعد ذلك سيضع مؤتمر “الخزيرات” (الجزيرة الخضراء) المغرب تحت الحماية الدولية في انتظار إفساح الطريق أمام فرنسا وإسبانيا اللتان وقعتا اتفاقية الحماية واقتسمتا المغرب سنة 1912 إلى منطقة سلطانية تحكمها فرنسا، ومنطقة خليفية تحكمها إسبانيا، تفصلهما “الديوانة” (المنطقة الحدودية) بعرباوة قرب القصر الكبير، كيلومترات قليلة عن موقع معركة وادي المخازن.
كما استعمرت إسبانيا خلال نفس الفترة بموجب هذه الاتفاقية مزيدا من الأقاليم الجنوبية للمغرب من سيدي ايفني إلى طرفاية، وألحقتها بالساقية الحمراء وواد الذهب اللتان استعمرتهما في السابق.

إن المتتبع للتاريخ الطويل من حملات التقسيم التي تعرض لها المغرب يكتشف أن الغاية من وراء هذه المطامح ليس توفر المغرب على ثروات طبيعية مهمة مثلما هو شأن جل الدول الأفريقية لكن لموقعه الاستراتيجي، ومكانته التاريخية التي جعلته حجر عثرة أمام التوسع الأوروبي في إفريقيا وغرب العالم الإسلامي لقرون، وكل ما شكله ذلك من عقد تاريخية ومكامن نقص في أساطير المخيال الجماعي للعديد من الأوروبيين.

ولا يمكن لمناورات التقسيم هاته أن تنتهي، وهي دائمة التجدد وتختلف من حيث الشكل والمضمون والطرق المستعملة باختلاف السياقات والأزمنة. وما الدعوات الحالية المنادية بانفصال الصحراء عن مغربها إلا استمرارية لهذه الأطماع الطامحة إلى إضعاف المغرب وتقسيم مواطنيه وفصله عن عمقه الإفريقي الراسخ عبر التاريخ، وعزله عن المكون الحساني الذي هو أحد المكونات الأساسية للشخصية الجماعية للمغاربة.

يأتي تنبيه جلالة الملك ودقه لجرس الإنذار أمام حلفاء المغرب الاستراتيجيين في الرياض، وإشارته إلى المخاطر التي تهدد المغرب وباقي دول المنطقة التي تنعم بالسلم والاستقرار، في إطار اختصاصاته الدستورية باعتباره حامي حمى الملة والدين (الفصل 41 من دستور 2011)، و ورمز وحدة الأمة، وضامن دوام الدولة واستمرارها، وضامن استقلال البلاد وحوزة المملكة في دائرة حدودها الحقة (الفصل 42)؛ وهو ما يتطلب منا كشعب مغربي التوحد جميعا لتكوين جبهة داخلية متراصة قوية تقف في وجه أعداء وحدتنا الترابية، والتشديد على أن قضية الصحراء ليست قضية نخب بذاتها و لاقضية الملك لوحده وإنما قضية شعب بأكمله.

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *