ثروة تأكل أبناءها

محمد أحداد 11:52 - 25 فبراير 2019

في الملف الذي ننجزه حول لغة التدريس، قال الأستاذ جمال أبرنوص إن النقاش الحقيقي الذي يجب أن يسبق إصلاح التعليم هو التوزيع العادل للثروة…
قبل يومين فقط، نظم مجلس المستشارين منتدى العدالة الاجتماعية، وبقي الاجتماع محصورا في فئات سياسية محدودة دون أن تكون لدى المنتخبين والسياسيين الجرأة على أن يشركوا الضحايا الحقيقيين لغياب العدالة الاجتماعية…
ولأن الطبقة الاقتصادية والسياسية ترغب في تأبيد مصالحها، فإنها في كل مرة تفتعل نقاشات هامشية مثل لغة التدريس والحرف الأمازيغي، وليس مستبعدا أن تجدها تثير غدا قصة شعر “ساري كول” ونغمة “إكشوان إن وان”… كما كانت تفعل منذ الاستقلال.
البرجوازية الإيطالية في عصر النهضة، والتي كانت الماسكة بزمام الاقتصاد والسياسة، تحولت إلى منارة هادية للثورة على إرث الكنيسة ومحاكم التفتيش والنظام الفيودالي في عصر النهضة. كان بإمكان عائلات بحجم عدد أصابع اليد أن تساند الكنيسة لتأبيد الجهل والفقر وأن تقول إن الأرض لا تدور لتدور ثروتها…
في المغرب -وقد تكون المقارنة مضحكة- كان الأمل كبيرا جدا في أن تتبوأ البرجوازية المغربية، التي اغتنت إبان فترة الاستعمار، مركز الصدارة لتحقيق النمو الاقتصادي، في بلد مايزال مشدودا إلى فرنسا وإلى بنيتها الاقتصادية والثقافية والسياسية؛ لكن سرعان ما تحول هذا الأمل إلى كابوس حقيقي، فعوض أن تشارك البرجوازية الناشئة، ليس فقط في تحريك الدينامية الاقتصادية، بل أيضا في إنعاش الحركية الثقافية، راحت تنخرط إما في التدافع السياسي مع القصر بصفة خاصة أو سارت في اتجاه مراكمة مزيد من الثروات…
شجعت الدولة طبقة غنية هجينة يمكن أن نطلق عليها -إذا جازت التسمية- “البرجوازية الطارئة” المرتبطة بالنظام السياسي، وبمعنى آخر: برجوازية مكرسة لحكمه ومانعة للمنافسة الحرة التي تعد من أهم ركائز النظام الرأسمالي.
كان من أهم نتائج هذه السياسة -التي انطلقت، بالأساس، من هواجس كان يحملها النظام السياسي- التوجس من بروز طبقة برجوازية قوية يمكن أن تنافسه أو تشاركه في الحكم؛ لكنها سياسة أفضت في الأخير إلى مآلات مأساوية: برجوازية هجينة متكونة من أعيان وأصحاب مصالح أطلق عليهم في وقت لاحق “أصحاب الشكارة”.
تمكن هؤلاء في وقت وجيز، بمساعدة من الدولة نفسها، من إنشاء أحزاب سياسية بـ”الدوباج” أو الانتماء إلى أخرى، وهكذا اختلطت المصالح الاقتصادية بالمكاسب السياسية… ولم يعد من الممكن إقامة التمايز بين من يريد السياسة ومن يريد المال…
جرت مياه كثيرة تحت جسر المغرب السياسي وتغيرت الكثير من المعطيات السياسية والاقتصادية، وما كان نظاما مغلقا غارقا في”التقويم الهيكلي” صار مفتوحا بقوةِ المناخ العالمي الجديد وبقوةِ التطور التكنولوجي الذي لم يحول العالم إلى قرية فقط، بل إلى حي صغير تتفاعل فيه الدول والكيانات على اختلاف قواتها؛ بيد أن هذا الانفتاح لم يؤد، كما كان منتظرا، إلى نشوء برجوازية مواطنة تساهم في الإصلاحات الاقتصادية الكبرى وتطرح أفكارها حول مواجهة الفساد الاقتصادي الذي ينخر النسيج الاقتصادي المغربي، بل إن العكس تماما هو الذي حصل، إذ اتجهت الطبقات الغنية نحو الاستثمار في مجالات بكر، كقطاعات البنوك والاتصالات والعقار والطاقة، وهي القطاعات التي تدر ملايين الدولارات سنويا حسب إحصائيات رسمية وغير رسمية.
على هذا الأساس، لم تشمل دائرة أغنياء المملكة سوى طبقة ضيقة استثمرت في تلك المجالات وأصبحت تحتل مرتبة الصدارة على المستوى العربي، متفوقة حتى على الشخصيات الخليجية ذات النفوذ الكبير في مجالي الغاز والبترول. ما الذي يعنيه ذلك؟
معناه شيء واحد لا يقبل التأويل، وهو أن الاقتصاد المغربي يتيح لفئة ضيقة جدا الاستفادة من الثروات. بصيغة أخرى، فإن مبادئ الاقتصاد الليبرالي، التي يتوهم الفاعل الاقتصادي والسياسي المغربي أنه ينتمي إليها، استحالت إلى مبادئ تقتل المنافسة الحرة وتضرب حرية السوق…
البرجوازية في المغرب ستبقى جشعة، لأن النظام الاقتصادي في أساسه يسمح بازدهار الريع… هذا كل ما في الأمر.

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *