حينما تمنى اليوسفي ألا نفقد القدرة على الحلم

محمد حفيظ 14:53 - 9 يونيو 2020

بوفاة الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي لا نفقد فقط مناضلا وطنيا كبيرا انخرط في المقاومة من أجل استقلال المغرب، وواصل النضال السياسي من أجل تحقيق الديمقراطية، ودافع عن حقوق الإنسان، وإنما نفقد نموذجا لمناضل سياسي ترك لنا وللأجيال المقبلة صورة إيجابية عن السياسة والسياسيين ستكون بلادنا دائما في حاجة إليها.
لقد جسد بسلوكه، الذي امتد لما يزيد عن سبعة عقود، السياسيَّ الذي يمارس النضال السياسي، ليس من أجل المصلحة الشخصية، وليس من أجل الترقي الاجتماعي، وليس من أجل مكاسب له أو لمقربيه، أو حتى من أجل مكاسب حزبية ضيقة… وهو في ذلك مَثَّلَ مقاومة حية للنماذج التي تقدم صورة سلبية عن السياسة والسياسيين، وتجعل الناس ينفرون منها ومنهم.
كان بخصاله السياسية يجعل من يستمع إليه، حتى وهو يختلف معه في هذا التقدير أو ذاك، أو في هذا الموقف أو ذاك، يثق في أن الرجل مقتنع بما يقول، وأنه مطمئن إلى ما سيُقْدِم عليه، ومؤمن بأنه الاختيار الصائب لتحقيق الأهداف التي ظل يسعى إلى الوصول طيلة مساره النضالي.
ولذلك، حينما اقتنع بخوض تجربة حكومة التناوب التوافقي، بذل كل جهده السياسي والفكري في الإقناع. ولم يكن في ذلك يتوجه فقط إلى مناضلي حزبه، بل كان يتوجه، أيضا وبالأساس، إلى الرأي العام الوطني، وحتى الدولي.
ويكفي هنا أن نرجع إلى خطاباته وكلماته التي ألقاها في مناسبات مختلفة، منذ رجوعه من “منفاه الاختياري” الأخير بـ”كَانْ” Cannes (شتنبر 1993 – غشت 1995) إلى تشكيل حكومة التناوب وقيادته لها ( فبراير 1998)، لنتذكر أن الرجل كان ينطلق من عمق فكري وهو يمارس السياسة؛ فكان بذلك يُعْلِي من شأن السياسة ويرفع من درجة الجمهور.
حين كان يشعر بأنه لن يستطيع أن يعمل كما يريد وفي الظروف التي يطمئن إليها، كان يختار أن يغادر. وكان يفعل ذلك بهدوئه النافذ ورويته الصلبة.
قام بذلك سنة 1993، حين قدم استقالته من قيادة الحزب، مباشرة عقب الإعلان عن نتائج الثلث غير المباشر لانتخابات البرلمان. وهي الاستقالة التي استقبلها حزبه والرأي العام على أنها رسالة احتجاج على ما جرى في ذلك الشوط من الانتخابات الذي قلب النتائج العامة رأسا على عقب. لم يذكر في نص الاستقالة كلمة “احتجاج”، ولكن الاستقالة كانت أبلغ احتجاج.
وبعد مرور عشر سنوات على ذلك الحدث، سيختار مرة أخرى أن يغادر. كان ذلك سنة 2003، حين استقال من قيادة حزبه وأعلن اعتزال العمل السياسي. لقد تَأنَّى شهورا إلى أن مرت عاصفة “الخروج عن المنهجية الديمقراطية”، العبارة التي استعملها ردا على تعيين الملك لوزير أول من خارج الحزب الذي حصل على أكبر عدد من المقاعد ومن خارج الأحزاب السياسية التي شاركت في الانتخابات، ليقرر في أكتوبر 2003 اعتزال العمل السياسي والاستقالة من عضويته في الحزب. وجاء نص استقالته في بضع كلمات، لكنها كلمات وفت بالغرض.
قائد سياسي يختار كلماته بعناية فائقة. حين كنت أستمع لخطاباته التي كان يلقيها في اجتماعات حزبية أو أنشطة سياسية، كنت أشعر بأن الرجل لا يطلق الكلام على عواهنه. كان ينتقي الكلمات والتعابير بدقة، وكان في ذلك يعتني بالشكل كما بالمضمون.
كان يميل أكثر إلى المكتوب. خطاباته كانت في مجملها مكتوبة. يقرأها كما كتبها دون الاستسلام للارتجال. لعله وجه من وجوه المسؤولية في الممارسة السياسية، لأن الكتابة يسبقها تفكير وتمحيص وتدقيق وتصحيح كذلك.
حين تقرأه تشعر بأنك لا تقرأ لسياسي همه الوحيد هو تأييد الجمهور له والتصفيق له والانقياد إلى ما يريد، وإنما تشعر بأنك تقرأ لسياسي مفكر، يمارس السياسة بالفكر، ويفكر حين يكون في خضم العمل السياسي؛ يَبْسِط الوقائع ويحلل ويناقش… كان سياسيا يرتقي بالخطاب السياسي، فكان بذلك يُقَدِّرُ السياسة ويحترم من يتوجه إليهم بالخطاب السياسي.
لا يكرر نفس الكلام في كل مناسبة، ولا يجتر نفس التعابير متى تناول الكلام، وإنما يستحضر أن لكل مقام مقالا. فكان بذلك يراكم ولا يقفز على الوقائع والأزمنة.
وحين يكون في سياق التفاعل الشفوي، الذي لا يخلو منه عمل سياسي، يكون مقلا؛ يرد بما قَلَّ.
وبإمكان من أعاد مشاهدة الوثائقي الذي كانت القناة المغربية الثانية (2 M) أنجزته سنة 2002، بمناسبة الانتخابات التشريعية لسنة 2002، حيث رافقتْ عبد الرحمان اليوسفي طيلة يوم الاقتراع إلى إعلان النتائج، بإمكان من أعاد مشاهدة ذلك الوثائقي، الذي أعادت القناة بثه مساء يوم رحيله (الجمعة 29 ماي 2020)، أن يلاحظ كيف كان الفقيد اليوسفي يجيب بروية وبكلمات قليلة وعبارات قصيرة، لكنها لا تخلو من المعنى؛ أقصد المعنى السياسي.
اختار أن يشارك في المؤتمر الاستثنائي للحزب سنة 1975 برسالة صوتية بعث بها من منفاه إلى وطنه، حيث يجتمع رفاقه للإعلان عن انطلاقة جديدة في مسارهم النضالي. كانت رسالة سياسية من جيل الحركة الوطنية وجيش التحرير، الذي ناضل من أجل الاستقلال والتحرير، ووجد نفسه ملزما بمواصلة النضال من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان، ومرافقة الأجيال الجديدة في هذا المسار النضالي الديمقراطي.
واختار أن ينهي مشواره السياسي برسالة أخرى، شاءت الظروف أيضا أن يرسلها من خارج المغرب. رسالته التي بعث بها في صيغة محاضرة ألقاها ببروكسيل، في فبراير من سنة 2003، وأعلن فيها بكل جرأة وشجاعة انتقاده لتجربة “التناوب التوافقي” التي خاضها وقادها بين 1998 و2002. كانت محاضرته تلك رسالة إلى الجيل الجديد. لقد استحضرت محطاتٍ وأحداثاً من الماضي، لكنها كانت مفتوحة على المستقبل.
اعترف اليوسفي بأن تلك التجربة انتهت بدون أن تفضي إلى ما كان ينتظره منها؛ أي “التوجه نحو الديموقراطية عبر خطوات تاريخية إلى الأمام، التي ستشكل قطيعة مع ممارسات الماضي”. كان هذا هو حلمه، الذي غَلَّب في سبيل تحقيقه المصلحة الوطنية على المصلحة الحزبية. لكن، ورغم عدم تحققه، تمنى “أن لا نفقد في المستقبل ملكة الحلم والقدرة عليه”.
بهذه العبارة ختم عبد الرحمان اليوسفي رسالته. وبعدها بشهور سيختم مساره السياسي. وسيعيش بعد ذلك 17 سنة ظل خلالها حاضرا في المشهد الوطني عبر الصورة التي ستخلده؛ الصورة التي تجسد نموذج السياسي النظيف.
محمد حفيظ
الدار البيضاء في 31 ماي 2020

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *