رؤية ورهانات 

المريزق المصطفى 12:25 - 29 مايو 2018

حركة قادمون وقادرون- مغرب المستقبل: 

رؤية ورهانات

بفضل نضج المجتمع المدني ويقظة الحركات الاجتماعية، وفي سياق الوقوف على الإكراهات الداخلية والخارجية وفهم تبعاتها وأثرها على استكمال البناء الديمقراطي، على الرغم مما يمكن استحضاره كمعطيات عيانية من قبيل تبني الدولة للعديد من أوراش الإصلاح المهيكلة والمندمجة، والتخلي التدريجي للسلطة المركزية عن بعض اختصاصاتها لفائدة الجهات والجماعات الترابية، فإنه موازاة مع ذلك يلاحظ أن هناك استعدادا لدى العديد من الفرقاء والفاعلين غير الدولتيين للقيام بالتغيرات الضرورية واللازمة، من أجل جبر الضرر الجماعي، ورد الاعتبار إلى المناطق التي ما زالت تعاني من الخصاص التنموي منذ الاستقلال، على الرغم من دفاعها المستميت عن المؤسسات والوحدة الترابية ودولة الحق والقانون.

لكن الإرث السلبي الاقتصادي والاجتماعي كان ولا يزال ثقيلا، وآثاره الاجتماعية وخيمة؛ فسواء اعتمدنا كمؤشر لتقييم التعليم أو الصحة أو التغذية أو البنية التحتية أو الناتج الداخلي الخام لكل فرد، فإننا نجد العديد من أقاليم المملكة تحتل مراتب متأخرة جدا وراء أقاليم مغربية أخرى، وهو ما يحز في نفس فئات وشرائح واسعة من المجتمع، والتي تطالب اليوم بالمساواة والتساوي والحق في الإنصاف المجالي والعدالة في توزيع الثروة الوطنية.

وهكذا، فإن أغلب سكان هذه الأقاليم يعيشون تحت عتبة الفقر، والباقي يوجدون في وضع هش، يعتمدون أساسا على زراعة معيشية ذات مردودية ضعيفة. وكما تشير إلى ذلك بعض الإحصائيات، فإن ثلثي سكان المناطق الجبلية مثلا لا يتوفرون على الماء الصالح للشرب، وحتى من يتوفرون عليه، فإنهم يعانون من نذرته وسوء تدبيره. كما لا يستفيدون من أي علاج طبي ومن أي تغطية صحية، من دون أن ننسى معاناة النساء، فهن أيضا يعيشن وضعا مقلقا للغاية، فيما يخص الوفيات عند الولادة أو العنف أو الأمية، وكذلك الشباب العاطل عن الشغل، وتلاميذ المدارس المعزولة والنائية، والطفولة المحرومة من ملاعب القرب ومن المناطق الخضراء وحدائق وأماكن اللعب والترفيه.

وتأتي حركة “حركة قادمون وقادرون- مغرب المستقبل” في إطار محاولة تجميع النشطاء المدنيين والسياسيين والنقابيين وأرباب المقاولة المواطنة والباحثين والفنانين والمبدعين الغيورين على أقاليمهم، من زاوية نظر حقوقية واجتماعية وإنسانية، تقديرا لمكانة هذه المناطق الخاصة في تاريخ المغرب وشمال إفريقيا، ونصرة لما تعرضت له من تهميش وإقصاء وهشاشة ومن انتهاكات لحقوق الإنسان، استعدادا للترافع على مطالب وانتظارات الساكنة من الدولة والسلطة معا.

وتندرج هذه المبادرة أيضا في مسار المساءلة المتواترة عن مآل الثروة الوطنية، في تساوق مع ما سبق لعاهل المملكة أن شدد عليه بمناسبة الذكرى الـ15 لعيد العرش سنة 2014، والتي تساءل فيها الملك محمد السادس عن الثروة الوطنية، وعن طرق توزيعها…

ولا شك في أن المسافة الزمنية الوجيزة الفاصلة عن الخطاب الملكي قد انعكست إلى هذا الحد أو ذاك على ما أثمرته ديناميات المجتمع المدني من حراك اجتماعي وآراء وتقييمات، جعلت من موضوع الثروة الوطنية، وما أنتجته من مواقف مختلفة، موضوعا ذي صلة بالتوجه العام للتساؤلات المجتمعية والانتظارات الشعبية التي ما زالت عالقة.

إن لقضية جبر الضرر الجماعي، والحفاظ على الذاكرة الجماعية، ومآل التراث المادي واللامادي لهذه المناطق، مكانة مركزية في التزام حركتنا بحماية هذه الحقوق والنهوض بها، بما يعزز الشعور بأن هناك تقدما حاصلا خلال هذه المدة الأخيرة. وهذا ما يطرح على الحركة وضع إستراتيجية واضحة المعالم لبلورة برنامج عمل وجدولة اللقاءات مع كافة المؤسسات الإقليمية والجهوية والوطنية، المدنية والسياسية وغيرها، لشرح أهداف الحركة والتفاوض على مطالبها وتوقيع شراكات مع منظمات ومؤسسات وطنية ودولية تتقاسم المرجعية نفسها وتلتقي على تحقيق الأهداف نفسها.

ومن بين الأهداف العامة التي يتوخاها مشروعنا على المدى البعيد أو على المديين المتوسط والقريب، نذكر:

– ضمان العدالة المجالية والاجتماعية، بما تضمنه من مساواة وحقوق الإنسان وتوزيع عادل للثروات، وعيا منا بأن التوزيع غير العادل للخيرات يؤدي إلى توزيع غير عادل للسلطة؛

– ضمان التنمية الاقتصادية القائمة على سياسات حكومية مستدامة، وعلى النمو المتكافئ بين المناطق والجهات، والهادفة إلى تحسين أوضاع المناطق المهمشة اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا وبيئيا؛

– ضمان الديمقراطية التشاورية بما يحقق لساكنة هذه الإقليم مواطنتهم، ويضمن دورهم في اتخاذ كل القرارات التي تعني تدبير وتسيير مجالهم الجغرافي والإداري؛

– ضمان تنمية اجتماعية وثقافية ورياضية، لكل شباب هذه المناطق، وصيانة الموروث التاريخي الهوياتي والثقافي والاهتمام به، وحفظه وتطويره، والعناية اللازمة بقطاع التعليم، وتوفير التغطية الصحية للسكان، والسكن اللائق للأسر الفقيرة والمحرومة، وتوفير الشغل للعاطلين، والاعتناء بكل الطاقات المعطلة وتشجيعها على الخلق والابتكار والإبداع والتعاون.

إن المنظور الذي تتبناه حركة قادمون وقادرون – مغرب المستقبل، يحمل في قلبه إشكالية التنمية كخيار استراتيجي، يناهض اقتصاد الريع ويسعى إلى أن يتبوأ الاقتصاد المحلي والجهوي مكانته كفاعل في التغير الاجتماعي، وتوسيع مشاركة جمعيات المجتمع المدني التي أصبحت حيويتها تزداد كل يوم في مسلسل بناء الديمقراطية التشاركية نصا وممارسة، وفي سيرورة النهوض بالتنظيم والتدبير، والمطالبة بإصلاحات جذرية عاجلة، تمكن كل أقاليم المملكة من حقوقها، احتراما لتاريخها ولتراثها المؤسس للحرية والتسامح والعيش المشترك، ومقاومتها التاريخية للاستعمار ونبذ ثقافة الكراهية والعدوانية والتطرف والعنف.

وعلى ضوء ما جاء به دستور 2011، وما أكد عليه من ممارسة مواطنة من دون تحكم أو توجيه مسبق أو حذر أو حقد، لإنعاش المتطلبات الأساسية للديمقراطية التشاركية، فإن “حركة قادمون وقادرون- مغرب المستقبل” تدعو كل الفاعلين السياسيين والجماعات المحلية والسلطات الإقليمية والجهوية والمصالح الخارجية إلى أن تستوعب بعدها الاجتماعي والحقوقي، ومساهمتها كحركة اجتماعية بنفس سياسي ديمقراطي في تقوية كل المكاسب، والرقي بوطننا إلى مستوى إنجاز الأوراش الكبرى بمنطق الفعالية والشفافية والإبداع والإنتاجية والمردودية.

أما على مستوى البدائل التي نحملها، تتطلع “حركة قادمون وقادرون- مغرب المستقبل” إلى أن تكون شريكا نديا وفاعلا للسلطات العمومية، يطمح إلى الدفاع عن إستراتيجية التضامن والمواطنة الهادفة إلى إرساء أسس سلطة مواطنة، تحمي المواطن وتكسر قيود الخوف والطابوهات، وتناهض الرشوة والمحسوبية والزبونية ونهب المال العام، وتناضل من أجل المناصفة وعدم الإفلات من العقاب، وتطالب بربط المسؤولية بالمحاسبة، والحفاظ على نزاهة وأملاك الدولة العمومية. كما تطمح إلى المساهمة في مشاريع كبرى، اقتصادية وتعليمية وصحية وسكنية.

وانطلاقا مما سبق، تعتبر حركة “قادمون وقادرون- مغرب المستقبل” حركة اجتماعية ديمقراطية مواطنة ومستقلة، من أجل الدفاع عن مصالح الوطن العليا في إطار المشترك والوحدة والتعددية، حفاظا على السلم الاجتماعي والاستقرار؛ مهمتها المساهمة في تعميم إرادة التغيير كحس مجتمعي، وإدراك سبله بالتمرس على الانخراط في الحكامة التشاركية، وإقرار التجنيد والتربية الإجبارية على المواطنة الحقة، وخلق فضاءات لتبادل الآراء والنقاش والحوار، مخصصة للنساء والشباب والنقابات والجمعيات، بهدف النهوض بالمبادرات والمشاريع المهيكلة.

كما أن “حركة قادمون وقادرون- مغرب المستقبل” هي تعبير عن إرادة مواطنة لخلق إطار للتعبير والخلق والإشعاع الثقافي وتخليق الحياة العامة، دفاعا عن الوطن ومقدساته، وحمايته من التطرف والعنف والإرهاب، وفضاء منظم للتفكير الحر، وخلق أسس إشاعة التربية والقيم الحقوقية والمدنية الكونية، والانفتاح على الطاقات القادرة على حمل كل هذه الأهداف للأجيال الصاعدة وللمستقبل.
لنواصل معا بهدوء..نعم نستطيع

* عن الرئيس الناطق الرسمي ل”حركة قادمون وقادرون- مغرب المستقبل”
المريزق المصطفى

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *