سارتر وكامي ومثقفو آخر زمان…

عزيز لمسيح 12:10 - 5 أكتوبر 2020
وأنا أقرأ الكتاب الممتع حول “كامي وسارتر” لرونالد أرونسون ترجمة شوقي جلال، وقفت على كثافة حياة هاتين الأيقونتان اللتان وسمتا التاريخ الفكري والأدبي المعاصر…
ألبير كامي وجون بول سارتر مفكران مبدعان في الأدب والفلسفة، في الرواية والمسرح، في السياسة والصحافة، وكذا في المقاومة…صاغا إطار الفكر الثقافي الذي دار في فلكه المثقفون في العالم إبان الحرب العالمية وبعدها على مدى الحرب الباردة.
اتفقا وتحالفا، واختلفا وتباعدا، ودارت بينهما معارك فكرية هي شهادة على ثقافة عصر، وعلى كل ما عاشته ثقافة العالم من توتر وأمل وإحباط.
إنها قصة الصراع السياسي والفكري على الصعيد العالمي، وقصة الصراع بين السياسة والأخلاق، بين متغيرات السياسة وثوابت الأخلاق…
وأنا أتنقل بين صفحات هذا الكتاب أثارتني معالم الكثافة والغنى والعمق التي وسمت حياة هذان الكاتبان الحاصلان على جائزة نوبل للآداب: نبالة وجدانية ورفعة معنوية عالية وسمو إبداعي شاهق…وحياة وجدانية ثرية، وعمق فكري خصب، والتزام رفيع بقضايا الإنسان والإنسانية….
يا لَكَم اختزلت حياتهما حيوات شتى: انخرطا في معركة المقاومة ضد الاحتلال النازي، وقعا على ملاحم نضال ثقافي وإعلامي مواز حتى من تحت خطوط النار ، تناقشا حد الترف كل جديد الفكر والثقافة والسياسة، شاهدا معا المسرح ، مارسا عشقهما للحياة بشهوة وشغف…يومهما كان أزمنة..كثيفا وغنيا فكريا ومعرفيا ونضاليا وعاطفيا ووجدانيا….
وأنا أقارن حياة هذان الكبيران بحياة مثقفينا البؤساء أشعر بالغثيان: باستثناء أقلية منذورة لحياة إبداعية وجمالية رفيعة، يكاد يخلو مشهدنا الثقافي والفكري من مثل هذه النماذج الفريدة….
مثقفونا في أغلبهم لا يعيشون الحياة إبداعا والإبداع حياة كما اجترحتها قامات من قبيل سارتر وكامي، فهم في عمومهم مجرد انتهازيين ووصوليين مرتزقة ، فقر في الخيال وغشاوة على الفكر، متحررون من أي التزام ولا يتبنون أية قضية إنسانية ولا ثقافية ولا فكرية ، يلهثون وراء المال وخدمة السلطة وأجندات أصحاب الحال ، منهم من تحول إلى ببغاء داخل أحزاب/زوايا طمعا في فتات نعمة أو منصب في ديوان أو لجنة، ومنهم من أصبح يحمل حقيبة الزعيم كي يوصلها إلى باب سيارته الفارهة….ومنهم من يبيع ويشتري في كل شيء…..
لا يمكن تحقيق تقدم اجتماعي وثقافي ونهضة مجتمعية من دون قامات ثقافية في مقام سارتر وكامي: تنير الفكر والوجدان، وتخصب الأفكار الجديدة اليانعة القمينة بانبعاث حياة بديلة وفجر جديد….
اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *