ساعة “كبور” وساعة العثماني وساعة المغاربة

محمد أحداد 22:54 - 28 أكتوبر 2018

“الانتظار حالة عبودية”، يقول كونديرا. وفي المغرب، ننتظر ساعة الله وساعة الحكومة… وساعة الحكومة مزاجية تتبدل ليلا، وفي بواكير الفجر، هكذا فجأة دون سابق إنذار، وقد تقرر غدا أو بعد غد أن تضيف أسبوعا إلى التوقيت الرسمي ولن يحاسبها أحد…

على كل حال، ساعات المغاربة كثيرة، في انتظار الكبرى: الساعة الأولى، هي ساعة شركات الاتصالات المغربية، تدور عقارب الساعة كما تشاء، قد تصير الثامنة سادسة والرابعة واحدة، وقد تعتمد التقويم القديم في حساب أطراف النهار وآناء الليل، وقد تلغي الساعة نهائيا. ربما تبدل الأرقام في أيام الامتحانات، وفي عز المباريات المصيرية والحاسمة للطلبة والموظفين، وقد يستفيق موظف بسيط يعمل في البناية الفارهة لاتصالات المغرب بحي الرياض في أحد الأيام معكر المزاج بعد خصام طويل مع زوجته ويوقف الساعة مرة واحدة دون أن يأبه لأحد.
الساعة الأخرى التي تحيل حياة المغاربة إلى جحيم هي ساعة القطارات: إنها الأغرب على الإطلاق في العالم.. تأتي الساعة ولا تأتي القطارات، إذ يحدث مرارا أن تحجز في التاسعة صباحا ثم يعلن مسؤولو المحطة أن القطار سيصل في العاشرة، ثم لا يصل إلا في الثانية عشرة. ومع ذلك، تجد السائق والموظفين يتبادلون ابتسامات غريبة في تحد غريب لوجوه الركاب المكفهرة… ساعة القطار في المغرب لا علاقة لها بمواقع الأنترنيت وبتطبيقات الهواتف الذكية، ولا يمكن أن تفهم عقلية القيمين على حركة القطارات بالمغرب، فالقطار الذي تتوقع أن يبلغ بك طنجة في الساعة العاشرة على سبيل المثال، لن يتوقف في المحطة النهائية إلا في الواحدة ليلا؛ وقد يتوقف بك في خلاء مقفر دون أن يكلف أحد نفسه عناء الاعتذار؛ والعجيب أنه قد يصل قبل الموعد المحدد بساعة كاملة، ولا تستغرب إذا ألفيت قطارا مغربيا يقلع لوحده دونما حاجة إلى سائق كما حدث في الشهور الماضية… أو يذهب إلى “الساعة” مباشرة كما حدث في بوقنادل.

أما ساعة المغاربة الحقيقية فهي “الساعة لله”، إنها ساعة كل المغاربة المكتوين بالأسعار، الخاضعين لسلطة منعشي العقار؛ إنها ساعة البسطاء الذين كلما سألتهم: كم الساعة؟ أجابوك قائلين: واش الساعة القديمة ولا الساعة الجديدة؟ هؤلاء هم الذين لا يغيرون عقارب ساعاتهم ولا يأبهون لمزاج الحكومة أو من يدبرها ولا لتقليص حجم استهلاك الطاقة… “الساعة لله” شعار من أنهكتهم أقساط البنوك، من يبيعون أثاثهم وسياراتهم لتدريس أبنائهم، ومن يقطعون مسيرة يوم كامل لوضع شكاية لدى الجمعيات والجرائد بعد أن استبدت بهم مافيات العقار… “الساعة لله” مُسكـِّن لآلام ملايين الفقراء الذين هزمتهم تكاليف الحياة، ويئسوا من قدرة السياسيين على التغيير ومن قدرة الانتخابات على إصلاح أوضاع الناس في شعاب الجبال وفي الحواري الفقيرة… “الساعة لله” ليست تعبيرا دارجا بسيطا يوظفه الناس بشكل تلقائي في خطاباتهم اليومية ونقاشاتهم، بل فقط لأنهم “يتعاطون الفرح بالأقراص” كما يقول الشاعر، ويسكنون كل البؤس الذين يحيط بهم: في السياسة، في الثقافة، في الاقتصاد… “الساعة لله” وصف ينسحب على الحكومة بشكل عجيب، فهاهي تلتئم يوم الخميس صباحا في اجتماع المجلس الحكومي، ثم ستعيد الالتئام في اجتماع آخر مقرر يوم الجمعة صباحا في مجلس حكومي استثنائي، أما المغاربة فليذهبوا إلى الجحيم… ما معنى ذلك؟
معناه شيء واحد، أن الاستهتار بالمغاربة من طرف الحكومة ومن يدبرها أصبح أمرا سهلا ومستساغا، وقد نستيقظ غدا، ويخبروننا في رسالة نصية باردة: غدا تبدأ العطلة المدرسية وبعدها العيد وبعدها رمضان…

كبور كان محقا حينما قال في سلسلته الشهيرة: “علاش هاد التزقريم، زادو يزيدو نهار، وحد السوالم يولي اثنين اشتوكة، ونحصدو فالليالي ونذبحو فالعيد الصغير”…
إنه العبث بكل اختلالاته الباعثة على الجنون…

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *