عبد الإله بنكيران وفرانز كافكا

محمد أحداد 13:05 - 4 أبريل 2019

قبل سنوات يوم كان عبد الإله بنكيران رئيسا للحكومة وصف أفتاتي بكونه مجدوبا أحمق ووصف شبيبة حزبه بأنهم مداويخ وحول حزبه إلى ثكنة عسكرية تسير بالأوامر والتعليمات..لم يكن ابن كيران يقبل رأيا مخالفا رغم أنه قدم تنازلات لا حصر لها في التفاوض الحكومي وسمح للوبيات المحروقات أن تثقب جيوب المستهلكين وسلخ الأساتذة المتدربين وسط العاصمة وتنازل عن صلاحياته الدستورية..أما اليوم فيطل من حي الليمون داعيا العثماني إلى الاستقالة قبل أن يدركه العار ويحرض برلمانيي حزبه على التمرد للتصويت ضد القانون الإطار للتعليم..

ابن كيران يتحدث بانفعال شديد ونرفزة ودون خيط ناظم أقرب ما يكون إلى “الحلقة” منه إلى خطاب سياسي واضح مؤسس وعلمي. كانت قيادات حزب العدالة والتنمية منتشية بخطابات عبد الإله بنكيران وبقدرته على “دحر الأعداء” وكانوا سعداء كذلك وهو يخنق أصوات معارضي تنازلاته المريرة، وكانت شبيبة الحزب تسلم نفسها للزعيم بالتنويم المغناطيسي ولو وصفهم بالمداويخ والصكوعة، إلا إذا كان جزء من تكتيك حزبي..كانت شخصية ابن كيران تختصر الحزب، وخفتت الأصوات الأخرى، وفي لحظة تماهت المؤسسات الحزبية مع “الزعيم”..

دارت الأيام، وذهب ابن كيران إلى “ضريحه” في حي الليمون، وشرعت قيادات حزبية تشتكي سرا وعلانية من تصريحاته ومن قدرته على التعبئة في الحزب وأنه يشوش على الحكومة..

في ظرف سنوات قليلة فقط صار حزب العدالة والتنمية مقترنا بشكل وجودي بعبد الإله ابن كيران، ولم يكن يتجرأ أحد على التعبير عن آراء تخالفه ولا أن ينتقد زعيم الإسلاميين مجرد الانتقاد، وحين كان أفتاتي يقول إن حزبه تحول إلى مؤسسة تقتل حرية التعبير وتريد خلق جيل من المناضلين يفكرون بخلفية واحدة، ويسيرون في هوى واحد، وصفوه بـ”المجدوب” و”الأهبل” والشتام والأحمق، ولما استدعى ابن كيران إلى لجنة الشفافية التي كان يرأسها، قالوا له إنك تمنح هدايا مجانية لخصومهم في الحكومة وفي المعارضة..
همش مناضلون قالوا “لا” لابن كيران وكان موضع محاسبة، إن لم يكن من طرف قواعد الحزب، فمن الإسلاميين القابلين بقواعد اللعبة الصارمة.
يقينا أن التجربة الحكومية أنهكت حزب العدالة والتنمية وفرضت عليه مواضعات أخرى لم يفهمها كثيرا أيام كان في المعارضة، ومن الطبيعي جدا أن يقدم ابن تنازلات كثيرة في سبيل تثبيت تجربة الإسلاميين الفتية لاسيما وأنه يحمل في وعيه ولا وعيه أيضا قناعة راسخة بأن”إسلاميي الربيع العربي” سقطوا في مصر وتراجعوا في تونس بمبدأ “السلام أحسن من الندامة”، وأن السياق الترامبي الجديد وتراجع الإيمان بحقوق الإنسان لا يسمح لهم بالصمود..
ليس عيبا أن يقدم ابن كيران تنازلات كثيرة أو قليلة كي تستمر تجربته الحكومية وأن يضمن توازنات الدولة- وهذا من سنن السياسة- لكن العيب أنه كتم الأصوات المخالفة وتحويل الحزب إلى ثكنة عسكرية يتحكم فيها كما ينبغي وأن يقبل بالتمديد له في الحزب حتى تمر الانتخابات التشريعية الماضية. لم يستوعب ابن كيران وقتها، أنه كلما قدم تنازلات أكثر كلما اقترب من مصير تجربة عبد الرحمان اليوسيفي، وكلما كتم الأصوات المخالفة، كلما تشابهت تجربة الإسلاميين في تدبير الشأن الحكومي بتجربة الاتحاديين الذين خرجوا من الباب الضيقة صاغرين..

ربما لم يشأ ابن كيران أن يتحول إلى “دكتاتور صغير” داخل حزب العدالة والتنمية لكن حوارييه جعلوا منه رمز الحزب الأول والأخير المحاط بهالة من القداسة إلى الحد الذي يسمح له بوصف جزء كبير من شبيبة حزبه بالمداويخ والصكوعة ولا يسأله أحد، وإلى الحد الذي يسمح له بالتدخل في اللوائح الوطنية البرلمانية وتثبيت أسماء وإزاحة أسماء أخرى في صمت لم يعهده الإسلاميون..
تدبير الشأن الحكومي ينعش الطموح الشخصي، والطموح الشخصي يقتل الاختلاف، وإذا كان ابن كيران قد نجح طيلة سنوات في تقوية حزبه سياسيا وانتخابيا، لكنه كان يضعفه من الداخل..وإذا استمر في تصديق لايكات الفايسبوك وأنه ما يزال زعيما قادرا على قلب المعادلات في السياسة فعليه يقينا أن يقرأ رواية كافكا الشهيرة..

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *