عن المغرب وتركيا والأزمة الليبية

نعيمة عبدلاوي 13:38 - 8 يناير 2020
قبل بداية الثورة الليبية، في 17 فبراير/ شباط 2011 ضمن حراكات الربيع العربي، كان هناك تاريخ 17 فبراير/ شباط 1989، لما أعلن قادة دول المغرب الكبير الخمسة من مراكش ميلاد “اتحاد المغرب العربي”، والذي جاء تتويجا للتقارب الذي بدأ أولا منذ 4 مايو/ أيار 1987 بين المغرب والجزائر، وعرف فتح الحدود البرّية بينهما مباشرة بعدها. .. ذلك هذا الجو المغاربي الصحي هو الذي سيعقد خلاله مؤتمر استثنائي لقمة عربية في الدار البيضاء المغربية في 23 مايو/ أيار 1989 لبحث الأزمة اللبنانية (الحرب الأهلية)، والذي انتهى إلى تشكيل لجنة ثلاثية برئاسة ملكي المغرب الحسن الثاني والسعودية فهد بن عبد العزيز والرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد، وتاليا ولد اتفاق الطائف الذي لا يأتي الإعلام العربي على الدورين، المغربي والجزائري، في إنجازه.

أما ثورة 17 فبراير/ شباط، والربيع العربي عموما، فقد جاءت في سياق مغاربي مختلف، حيث الخلافات بين المغرب والجزائر والمغرب وموريتانيا تأخذ أشكالا مختلفة، ومات مشروع اتحاد المغرب العربي. ولكن تكوّن، هذه المرة، في وعي الشعوب المغاربية، وبعض نخبتها السياسية “غير الحاكمة”، مشروع اتحاد المغرب الكبير، وأظنه سيكون أكثر قابلية للتحقيق والنفع. وعلى الرغم من هذا الجو، وما فعلته الثورات المضادّة في تونس وليبيا، سوف يستضيف المغرب

مفاوضات ليبية، برعاية الأمم المتحدة، في الصخيرات، لإنهاء الحرب الأهلية التي اندلعت سنة 2014، وتنتهي المفاوضات إلى “اتفاق الصخيرات” في 17 ديسمبر/ كانون الأول 2015 ، وستتألف بموجبه حكومة فايز السراج رئيس المجلس الرئاسي أيضا في 14 فبراير/ شباط 2016 في تونس، بعد رفض الحكومة المعلنة في 19 يناير/ كانون الثاني 2016، حسب الاتفاق الذي ينص أيضا على إحداث مجلس رئاسي ومجلس أعلى للدولة. وفي 12 مارس/ آذار 2016 يبدأ السراج عمله، وستتلقى الحكومة دعم فرنسا والولايات المتحدة وألمانيا وإيطاليا والمملكة المتحدة، غير أن استمرار الانقسام سوف يؤدي إلى فشل حكومة الوحدة الوطنية التي نص عليها الاتفاق، والتي حددت لها مهلة سنتين لإيجاد توافق سياسي ليبي. وفي ذكراه الثانية، في 17 ديسمبر/ كانون الأول 2017، يعلن اللواء المتقاعد المتمرد، خليفة حفتر، موت الاتفاق ونهاية صلاحيته، واستمرار الحرب التي وحدها ستحقق، بالنسبة إليه، إرادة الشعب الليبي الحرّ، حيث عادت مصر والسعودية والإمارات، وحتى فرنسا، الاتفاق.
ويستضيف المغرب جولة مفاوضات ثانية بين الأطراف والقوى السياسية في ليبيا في 24 إبريل/ نيسان 2018، لإيمانه أن الاتفاق لم تنته صلاحيته، في رفض لتصريحات حفتر في حينه. وستعرف هذه المفاوضات لقاء رئيس مجلس النواب الليبي، عقيلة صالح، برئيس مجلس النواب المغربي، الحبيب المالكي، ولقاء رئيس مجلس الدولة الليبي، خالد المشري، رئيس مجلس المستشارين المغربي، حكيم بن شماس. وأخيرا، احتضن المغرب المنتدى الليبي الدولي الاقتصادي الاستثماري الأول، والذي يعد رافعة أخرى لدعم الاستقرار والتنمية في ليبيا، والذي افتتح يوم 11 نوفمبر/ تشرين الثاني 2019، ما يوضح أن هناك عمقا استراتيجيا واقتصاديا مغربيا ليبيا.
ولكن لدولة أخرى عمق استراتيجي واقتصادي في ليبيا هي تركيا، ففي زيارته إسطنبول، في 27 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، وقع اتفاقيتي تعاون عسكري وسيادة بحرية تسمح لتركيا بالتأثير بشكل أكبر في المنطقة المتوسطية الشرقية الغنية بموارد النفط والغاز، ضدا على اليونان ومصر وقبرص وإسرائيل. وكانت تركيا قبل اندلاع الثورة في 2011 قد استثمرت ما يقدره الخبراء بنحو ثلاثين مليار دولار في ليبيا، لأن هذا البلد بوابتها على إفريقيا، مستقبل النمو الاقتصادي العالمي.
مصر المعنية بهذه المنطقة المتوسطية، وبتورّطها مع الإمارات وروسيا، وحتى فرنسا، في دعم

خليفة حفتر عسكريا، تتخوّف من حربٍ عسكريةٍ خارج حدود ليبيا، قد يشعلها أي تدخل عسكري تركي في هذا البلد، وقد عبّر عن ذلك الرئيسان، المصري عبد الفتاح السيسي، والفرنسي إيمانويل ماكرون، في اتصالٍ بينهما. وفيما تحدّثا عن حلّ سياسي، فإنهما، في الوقت نفسه، يباركان حملة خليفة حفتر العسكرية على طرابلس، كما روسيا والإمارات. ولكن بيان جامعة الدول العربية، في ختام اجتماع طارئ، برئاسة العراق على مستوى السفراء في القاهرة، دان كل التدخلات الأجنبية في ليبيا، وأشار إلى اتفاق الصخيرات بالذات مرجعية، وإلى الحل السياسي ضمانا وحيدا للاستقرار في ليبيا.
وإلى حد كبير، يشبه التدخل التركي في ليبيا اليوم، خصوصا بعد إقرار البرلمان التركي شقه العسكري، التدخل الروسي في سورية، واستعمال روسيا (والصين) حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن، بعدما تجاوز الغربيون، في اجتهادات نص قرار الأمم المتحدة الذي أقر التدخل العسكري في ليبيا سنة 2011، بأن أسندوا العمل العسكري لحلف شمال الأطلسي (الناتو) في غفلة تصويتية منهما. أي أن هناك الاستدراك أو “الانتقام” لما لقيته تركيا في سورية، ولما خسرته على الساحة المصرية بعد مشاريعها فيها، بما في ذلك الاستعداد لمشروع إعادة تهيئة قناة السويس.
يعيدنا دور البرلمان التركي اليوم في إضفاء شرعية شعبية على تدخل عسكري في ليبيا إلى رفضه مشروع قرارٍ يسمح بنشر قوات أميركية في الداخل، وإرسال قوات تركية إلى الخارج، يوم الأول من مارس/ آذار 2003، استعدادا لغزو العراق، والذي سوف يتحايل عليه رجب طيب أردوغان بعد نجاحه الكبير في الانتخابات، وحصوله على منصب رئاسة الحكومة، بقوله: “أخلاقيا، هذه الحرب غير عادلة، ولكن علي أن أرعى مصالح تركيا سياسيا”. لقد خسرت تركيا في الحرب على العراق سنة 1991 من جرّاء الحصار وباقي العقوبات الاقتصادية على العراق، حسب الخبراء، ما يعادل مائة مليار دولار، ويبدو أنها تعلمت الدرس جيدا.
هل يتعلّم العرب غدا من الحروب المتوالية على حريات شعوبهم ودمقرطة مجتمعاتهم وخسارات

أموالهم؟ وهل يتعلم الأوروبيون من طرف سياسي مؤمن بالمشروع الأوروبي في بداياته، ومراهن على الانضمام إلى اتحاده، لكونه ديموقراطيا مسلما، فصار ينافسهم في المنطقة العربية والمتوسطية على النفوذ اليوم؟ يمكن لبرلمان مغربي في مستوى البرلمان التركي فقط، يمكنه أن يساهم في إيجاد فضاء مغاربي حقيقي، ببرلمان مغاربي ينافس البرلمان الأوروبي فعالية ونفعا للمنطقة وأفريقيا.
وفي الأخير، سوف يُحسب لتركيا أنها بتدخلّها في ليبيا، إذا وقع، أعادت الدول المغاربية بقوة إلى المشهد الليبي، بما في ذلك التشاور مع تونس والجزائر، واعتماد جامعة الدول العربية اتفاق الصخيرات أرضية للحل السياسي، بعد أن أهملتها مبادرة مؤتمر برلين التي أجلت من أواخر 2019 إلى بدايات 2020، والتي تمت دعوة كل من أصحاب حق الفيتو في مجلس الأمن إليها، بالإضافة إلى ألمانيا وإيطاليا وتركيا ومصر والإمارات العربية فقط!

عن العربي الجديد
اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *