قضايا الجالية المغربية أولوية لدى الملك محمد السادس

خالد الشرقاوي السموني 11:40 - 23 يوليو 2019

شكلت قضايا الجالية المغربية في الخارج أولوية لدى جلالة الملك محمد السادس ، و من أبرز المؤسسات التي عزز بها الملك دور هذه الجالية، إحداث مجلس الجالية المغربية بالخارج، الذي هو عبارة عن مؤسسة استشارية مستقلة مهمتها متابعة وتقييم السياسات العمومية اتجاه المهاجرين وضمان حقوقهم ومشاركتهم في التنمية بكل أشكالها .
و في هذا الصدد ، أرى أنه من المفيد الإشارة إلى ما جاء في خطاب جلالة الملك محمد السادس يوم 06 نونبر2005 بمناسبة ذكرى المسيرة الخضراء ، عندما أعلن عن أربعة قرارات هامة تستجيب للمطالب السياسية ذات الأولوية بالنسبة للجالية المغربية المقيمة بالخارج ، ويتعلق الأمر هنا بتمكين مغاربة الخارج من أن يكون لهم ممثلون في البرلمان وإحداث دوائر تشريعية انتخابية بالخارج وفتح المجال أمام الأجيال الجديدة للتصويت والترشيح في الانتخابات وأخيرا إحداث مجلس أعلى للجالية المغربية بالخارج.
غير أن هناك صعوبات قانونية و تقنية شكلت عائقا مرحليا لتنزيل قرار التمثيلية البرلمانية للمغاربة المقيمين بالخارج ، بيد أن الأولوية اقتضت تعيين مجلس لتمثيل الجالية كمرحلة أولى في انتظار تهييئ الظروف الموضوعية للمشاركة السياسية داخل البرلمان . وهذا ما نقوم بتوضيحه :

أولا : مسألة تمثيل الجالية المغربية بالخارج في البرلمان

إن الخطاب الملكي بتاريخ 6 نوفمبر2005 القاضي بمشاركة المغاربة المقيمين بالخارج في الانتخابات وإحداث المجلس الأعلى للجالية المغربية في الخارج ، قد أعاد نوعا من الثقة السياسية لدى المغاربة بالمهجر، مما جعلهم يعبرون عن ارتياحهم للخطاب الملكي ، كما أن الحركة الجمعوية للمغاربة بالخارج ، نظمت لقاءات فكرية وسياسية وندوات صحفية وموائد مستديرة داخل وخارج المغرب ، فضلا على أن الأحزاب السياسية هي الأخرى، انخرطت في هذا السياق ، وأجرت لقاءات مع مجموعة من الفعاليات المدنية والسياسية بأوربا والولايات المتحدة الأمريكية… وقد عكس هذا الأمر الاهتمام المتزايد لإعلامها الحزبي الذي انفتح على قضايا المغاربة في الخارج.

لكنه بعد دراسة قامت بها جهات معنية حول موضوع التمثيلية البرلمانية للمغاربة المقيمين بالخارج داخل البرلمان ، تبين أن هناك صعوبات قانونية و تقنية تحول دون تحقيق ذلك ، وهي أسباب موضوعية في نظرنا ، منها ما هو معلن و منها ما هو غير معلن ، مرتبطة بمسألة التقطيع الانتخابي ، ونسبة التمثيلية في كل دولة من دول الخارج من حيث عدد المغاربة المقيمين ، و نمط الاقتراع ، و الجهة الموكول لها مراقبة الانتخابات خارج الوطن ، وكذا الجهة القضائية التي لها الحق في البت في المنازعات الانتخابية ، و كيفية تدبير الحق في استفادة الأحزاب السياسية المشاركة في الانتخابات من وسائل الاعلام أثناء الدعاية الانتخابية ، و الهيئة التي ستراقب مدى احترام الحق في الاستفادة من وسائل الإعلام بطرقة عادلة و متكافئة.

وعلى الأساس، تم نهج مقاربة تدريجية قصد تهيئ الظروف المواتية و إعداد القواعد القانونية من أجل تحقيق مشاركة سياسية برلمانية ناجحة في المستقبل للمغاربة المقيمين بالخارج مع إعطاء الأسبقية لإحداث مجلس للجالية المغربية بالخارج.

ثانيا : إحداث مجلس الجالية المغربية بالخارج 

قرر جلالة الملك محمد السادس إحداث مجلس الجالية المغربية بالخارج، بتاريخ 21 دجنبر 2007، مهمته تتمثل في ضمان المتابعة والتقييم للسياسات العمومية للمملكة تجاه مواطنيها المهاجرين وتحسينها بهدف ضمان حقوقهم وتكثيف مشاركتهم في التنمية السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية للبلاد، و أيضا الاضطلاع بوظائف الإحاطة بإشكاليات الهجرة واستشرافها والمساهمة في تنمية العلاقات بين المغرب وحكومات ومجتمعات بلدان إقامة المهاجرين المغاربة.
و نشير في هذا الخصوص أن احداث مجلس للجالية جاء استجابة لما حققه العديد من المغاربة المقيمين بالخارج من نجاح مهني وكفاءة علمية وتفوق في مجال الفنون والثقافة وكذلك في العمل السياسي في بلدان الاستقبال، من شأنه أن يجعل منهم جماعات للضغط تساعد على الدفاع عن مصالح المغرب الوطنية في الخارج على مستوى العمل الدبلوماسي الموازي. كما أن أنهم أصبحوا يشكلون كتلة لإنتاج قيم الديمقراطية والتقدم والتنمية، مما سيجعل من تمثيليتهم داخل مجلس الجالية فرصة مواتية لإدماج هذه القوة الجديدة في ديناميكية المغرب الجديد الذي يبحث لإشراك مواطنيه في مقاربة تشاركية تأخذ بعين الاعتبار قيم دولة القانون.

كما لم يعد يخفى اليوم الدور الفعال الذي تمارسه جمعيات المغاربة المقيمين الخارج من أدوار في الدفاع عن مصالح دولها الأصلية والمغرب بحاجة للدفاع عن حقوقه في المحافل الدولية خصوصا لدى البرلمان الأوروبي كالدفاع عن الحقوق المشروعة للمغرب ، كقضية الوحدة الترابية ،  أو تدبير ملفات الشراكة الاقتصادية مع الاتحاد الأوروبي.

فإحداث مجلس للجالية المغربية بالخارج شكل مرحلة جديدة من أجل تحقيق المواطنة الحقة لمغاربة الخارج مثلهم مثل سائر المغاربة الموجودين على التراب الوطني، خصوصا أن جلالة الملك يولي اهتماما خاصا لهذه الجالية ويعطي تعليماته للحكومة لكي تأخذ انشغالاتها بعين الاعتبار وبشكل أفضل.
فضلا على أن الدستور الجديد لسنة 2011 ، ولأول مرة في تاريخ المغرب، ترجم انشغالات الجالية المغربية، عندما حرص على تكريس حماية حقوقها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، حيث يشكل الفصل 17 من الدستور على الخصوص ثورة جديدة للدولة في تعاملها مع المواطنين القاطنين في الخارج ، خاصة حقهم في المواطنة الكاملة، والفصل 18 الذي يؤكد على ضمان أوسع مشاركة ممكنة للمغاربة المقيمين بالخارج في المؤسسات الاستشارية، و هيئات الحكامة الجيدة التي يحدثها الدستور أو القانون.

كما أسندت لهذا المجلس مهمة الاضطلاع بوظائف الإحاطة بإشكاليات الهجرة واستشرافها والمساهمة في تنمية العلاقات بين المغرب وحكومات ومجتمعات بلدان الإقامة في أفق تطويرها والرفع من مستواها. وقد توج اهتمام جلالة الملك برعاياه المقيمين بالخارج وحرصه على العناية الموصولة بهم بإفراد جزء هام من فصول دستور فاتح يوليوز2011 ، لهذه الفئة خاصة ما جاء الفصول 16 و17 و18 و163 .
وخصت هذه الفصول أفراد الجالية المغربية بمكاسب هامة ومكانة متميزة تستجيب لتطلعاتهم وكرست لهم عددا من الحقوق الثقافية والاجتماعية والتنموية، فكان بذلك الدستور الوحيد على مستوى العالم الذي خصص أربعة فصول كاملة للجالية المقيمة بالخارج.

لقد أصبح بإمكان المغاربة المقيمين بالخارج في عهد الملك محمد السادس، المشاركة في تنمية بلدهم بالموازاة مع بلد الاستقبال ، والدفاع عن المصالح الوطنية ، و تقديم خبراتهم خدمة لصالح المغرب ، و المساهمة في تقوية علاقات التعاون بين دول الإقامة والمملكة المغربية  ، و جلب الاستثمارات و إنجاح الأوراش التي تشهدها بلادنا.
و إذ ننوه بمجهودات الجالية المغربية في الخارج، وقدرتهم على الإبداع في جميع الميادين، وتشبثهم بثقافتهم الأصلية، فإننا ننوه أيضا بالمجهودات التي يقوم بها مجلس الجالية المغربية بالخارج على عدة مستويات خدمة لمصالح هذه الجالية.

*مدير مركز الرباط للدراسات السياسية والاستراتيجية

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *