كورونا، الفيروس الذي فضح وباءَنا!

سناء تراري 12:18 - 19 مارس 2020

هل من حَجْرٍ أضع فيه عقلي ليتوقف عن التفكير، فقط أربعة عشر يوما؟

هل من بيت يستطيع احتواء رأسي المنفلت مني إلى كل الأمكنة أسبوعين فقط؟

البيت حيث يوجد جسدي وحيث لا يعوزني شيءٌ لم يستطع أن يهدئ من روع هذا الوعي الشقي الذي ينغص علي خلوتي واعتكافي.

يسرحُ بي خيالي في مختلف الأمكنة؛ المعامل والمصانع وأوراش البناء والحقول…

يهرب مني عقلي إلى المعتقلات والسجون وإلى دور العجزة والأيتام والمتخلى عنهم…

تفتش عيني على المشردين وأطفال الشوارع الذين يدفئون بعضهم في الأزقة والخِرَب والظلمات…

ما حال مرضى السرطان ومرضى فقدان المناعة وذوي الإعاقات والعجزة والرضع المقيمين في المستشفيات؟

أتخيل آلاف البشر يتقاطعون مع آلاف البشر في كل ثانية من يومٍ صار دهرا وأبدا.

أتساءل عن حال الُمَياومين والعمال الخواص الذين يعايشون الحياة يوما بيوم أو شهرا بشهر ولا مدخرات لديهم ولا رواتب تضخها الدولة في حساباتهم شهريا.

من سيدفع إيجار البيوت المكتراة، ومن سيلتزم بدفع الأقساط الشهرية للبنوك وأداء فواتير الماء والكهرباء والأنترنت… ؟؟

أنتظر مبادرات أغنياء الوطن، وسياسييه المترفين وأرباب المقاولات الكبرى والشركات العملاقة، وأصحاب المصحات الخاصة، ماذا هم فاعلون؟

أتابع أغنياء الحروب الذين بقتاتون من الكوارث، لقد بدأوا في الظهور، يشترون بلا حسيب ليعيدوا البيع بلا رقيب، الانتهازية دينهم الأوحد.

كنا في السابق نسخر من تهافت الناس في مواسم التدين كرمضان وعيد الأضحى وهاهم يبدعون في الفتنة لعن الله كورونا التي أيقظتها، إنهم يشترون ويشترون ويخزنون، ويقبلون أن يشتروا معقما بضعف ثمنه.

هؤلاء الجهلة الذين يتجمعون للصلاة حول المساجد المغلقة نكاية في الدولة الذين تحدوا سيادتها ولم يروها إلا متآمرة ضد تدينهم وإسلامهم.

أستغرب للتلاميذ المحتجين على توقيف الدراسة بدعوى الامتحانات الإشهادية ومستقبلهم الذي صار فجأة على المحك، وأستغرب أكثر لسخريتهم من أي مبادرة تُقدم لهم ومنها التعليم عن بُعد.

من أين جاءت كثير من ربات البيوت بهذه الثقة لتعتبرن ما يجري مجرد خزعبلات وأن استعمال بذور الحلبة وبخور أعشاب الشيح والخزامى سيحميهم وعائلاتهم.

مصدومة لشباب بنظارات شمسية وساعات ذات صيحة عالمية وهم يدعون لإقامة اللطيف أسوة بصلاة الاستسقاء، وواثقين أن الدعاء هو الحل وأن الابتلاء هو عقاب رباني.

ولا أجد ما أقول أمام شريحة من المثقفات والمثقفين يُميعون كل قضية ويجعلونها مجالا للسخرية والتهكم والتنقيص من الآخرين.

الكثير من مشاهير اليوتيوب والمؤثرين يستغلون الفرصة لجني المزيد من الأرباح عبر مشاركة يومياتهم في مواجهة الفيروس معممين الكثير من الأخطاء والمغالطات…

أستغرب كيف يواجه هذا المجتمع بكل أطيافه وباءً استعصت مكافحته على دول أقوى اقتصادا وأكثر وعيا.

فيروس كورونا وضعنا جميعا في امتحان عسير، وأبان عن ضعفنا وهشاشتنا وجهل السواد الأعظم.

فما جدوى مدارسنا التي لا تنتج معرفة وافية بمبادئ الوقاية والسلامة ولا تسعفنا في مواجهة الكوارث البيئية والبشرية؟

وما جدوى مساجدنا التي لم تفلح في تمرير قيم التآزر بين الناس وقيم التفكير السليم ومواجهة الشدائد بالعزيمة وليس بالدعاء وحده؟

في عزلتي هذه لا أنتظر شيئا إلا من الدولة كمؤسسة أن تستمر في حربها ضد فيروس كوفيد 19 وفيروس الجهل، ولا أجد بعض العزاء إلا في قلة من المجتمع المدني مثقفين وفنانين وغيرهم ينشرون الوعي بكل ما يملكون من قوة تأثير.

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *