لست حيوانا سياسيا

المريزق المصطفى 12:40 - 9 يوليو 2018

منذ عقود من الزمن، ونحن نتابع ما يدور من نقاشات حول المصطلح الشهير لأشهر الفلاسفة الإغريق أرسطو: “الإنسان حيوان سياسي (Zoonpolitikon)”، المنشور في كتاب “السياسة”، باعتباره/الإنسان، لا يتقدم ولا تتاح أمامه فرصة الازدهار والرقي إلا في مجتمع سياسي.

ورغم عمق التفكير الفلسفي الذي خرج من رحمه هذا المصطلح، عاكس الفيلسوف الإنكليزي هوبز الفيلسوف الإغريقي أرسطو، معتبرا أن الإنسان لا يمكن أن يكون سياسيا بطبعه، لأن السياسة بالنسبة إليه تأتي في مرحلة ثانية، أي تأتي بعد القرار الذي يتخذه الإنسان بشأن الوضع القائم في حالة الطبيعة.

لكن، للأسف، عند معاينة أحوال “الإنسان السياسي” و”السياسة” ببلادنا، وأمام ما نتابعه ونسمعه من تصريحات وردود أفعال القادة السياسيين والمهتمين بالشأن السياسي، والمدافعين عن حقوق الإنسان، بل “حقوق الجماعات”، والناشطات والناشطين في حقول اجتماعية مختلفة، نستحضر تراث أرسطو، لنقول إن ما حصل ويحصل عندنا لا تنطبق عليه نظريات العلوم السياسية وعلوم الدولة، ولا تنطبق عليه مقولة “الإنسان حيوان سياسي”. وربما وصلنا الآن، على ما أعتقد، إلى ضرورة تحديد الملامح العامة للفعل السياسي في حركة التحرير الاجتماعي ببلادنا.

فبعد هذه التجربة القصيرة من وجودنا في الفضاء العمومي، يبدو أن المنطق الموضوعي لحركتنا “قادمون وقادرون-مغرب المستقبل”، يقضي بضرورة وضعها في خط الثورة الهادئة إلى جانب الحركات الاجتماعية التواقة إلى ترسيخ الثوابت الوطنية بمضمون ديمقراطي، وتثبيت السلم العام بمضمون اجتماعي، وإرساء دولة الحق والقانون بمضمون سياسي توافقي وتعاقدي، واستحضار دستور 2011 في إطاره التاريخي.

ولكن كلما فحصنا الواقع التجريبي في بلادنا، وجدنا:

– أن القوى التي احتلت، وتحتل، موقع الأغلبية أو المعارضة، هي قوى تحتاج إلى التفكيك، وإلى بحث ميداني عميق لمعرفة ماهية وجودها، وعناصر مقوماتها، وأفق استمراريتها.

– أن الأحزاب السياسية والنقابات والمنظمات المركزية عجزت، ولا تزال، عن تسلم موقع القيادة وتمثيلية الشعب.

– أن البورجوازية اللقيطة تحولت إلى “حيوان سياسي مفترس”، وهي اليوم في موقع ليس هو موقعها المنطقي في سياق النظريات العلمية.

– أن تحول البورجوازية اللقيطة إلى “حيوان سياسي مفترس”، وإلى موقع القيادة السياسية ببلادنا، هو تحول لا منطقي، وخارج التاريخ.

– أن البورجوازية النيو- كولونيالية، والطبقة المتوسطة، والبورجوازية الصغيرة، فشلت في الوصول إلى أهدافها، ولم يعد فشلها عارضا، بل أصبح بنيويا، كما لم تعد لها علاقة بمنطق التحرر الوطني.

وبناء عليه، كنا نود أن نرى الفعل السياسي الوطني “التقليدي منه والحداثي” في علاقة مفصلية بالتحرر الوطني، يشق طريقه نحو الانتقال ببلدنا إلى نظام شعبي وديمقراطي، وإلى فعل سياسي حقيقي متعلق بالدور التاريخي للمثقفين الأحرار، وبالطاقات والكفاءات الوطنية، وانتهاج خط سياسي مستقل في قراراته، ومنفصل عن الحيوانات السياسية المفترسة والمتوحشة، إلا أن “التكوين الطبقي” والسياسي المتناقض لبنياتها يبدو أنه نجح في الاستيلاء على الفضاء العام، إعلاميا واقتصاديا وثقافيا، واستطاع ولوج السلطة السياسية، وخلق الوجود الأساسي والموضوعي لعرقلة ثورة الإصلاح والإنصاف والمصالحة والتنمية البشرية والحقوق اللغوية والعدالة المجالية..

فرغم تجربتنا القصيرة والمتواضعة في حركة “قادمون وقادرون- مغرب المستقبل”، نستخلص من التجارب والعبر أنه بعد مرحلة النضال من أجل التحرر من النير الاستعماري المباشر، ومن أجل التحرر من التبعية الإمبريالية ونظامها العالمي، وبعد مرحلة النضال الديمقراطي من أجل تثبيت دول المؤسسات والحق والقانون من أجل التحرر الوطني والاجتماعي، أي من أجل التغيير الديمقراطي، آن الأوان لإعلان اقتناعنا بالحوار والدعوة إليه حول موضوع “الأزمة” في حركة التحرر الوطني المغربية. فقد كنا، وما زلنا، منذ مطلع السبعينيات، نؤمن بقضايا التحرر الوطني ومعضلات تطورها، وما زلنا نعترف بالدور الرائد، الذي لعبه شرفاء الوطن في هذا الموضوع ضمن إشكاليات جديدة لواقعنا.

إن تحصين مجتمعنا من الحيوانات السياسية المفترسة يمر بالضرورة، في اعتقادنا، عبر الدفاع عن “بورجوازية وطنية ديمقراطية” بتياراتها التحررية المتنورة، وكل مكونات الحركة التقدمية المتأخرة، وإدراك واجبات النضال ضد كل أشكال النكوصية والتبعية المخزنية التقليدية، وضد أي مساس بالتراكمات في الوحدة الوطنية، وفي مجال حقوق الإنسان والرأي والتعبير.

وأخيرا، وبعيدا عن أي تحديد إيديولوجي أو سياسي صرف، نحن مؤمنون بأن وجودنا في الحقل العام لا يحكمه العداء لأي كان، وما نطمح إليه هو أن يفتح لنا التاريخ، بفضل مجهودات وتضحيات الجميع، أفق التغيير الديمقراطي الوطني السلمي، وإسقاط هيمنة الحيوانات السياسية المتوحشة على المشاريع الكبرى للبلاد، وإسقاط هيمنة الريع على الاقتصاد الوطني، وتحرير المغاربة من الخنوع والخوف، وتحرير طاقات الشباب، وتكوينه تكوينا صلبا يؤهله للشغل وتحمل المسؤولية في بناء مغرب المستقبل، ونصرة المرأة المغربية، وتحريرها من القيود التقليدية، وتمتيعها بالحق في المساواة، وفي الاستقلالية الاجتماعية، ومناهضة الكراهية والعنف والإرهاب المادي والفكري، وتعميم التربية الإجبارية على المواطنة، وتمتيع كل المغاربة بحقهم في الثروة الوطنية، والعدالة المجالية، والبنيات الأساسية (التعليم، الصحة، الشغل والسكن). ولهذا أعلن أني لست حيوانا سياسيا..

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *