لعنة الانتخابات في إسبانيا

عبدالحميد البجوقي 16:22 - 23 سبتمبر 2019

للمرة الرابعة خلال أربع سنوات الاسبان مدعوين للتصويت في نوفمبر القادم، فوز الحزب الاشتراكي العمالي الاسباني في
الانتخابات التشريعية السابقة يوم 24 أبريل الفارط، وحصوله على 123 مقعد، وتكليف زعيمه بيدرو صانشيص من طرف الملك
فيلب السادس بتشكيل الحكومة انتهت بعدم حصوله على ثقة أغلبية برلمانية في الدور الثاني من التصويت يوم الخميس 25 يوليوز.
انتهت مفاوضات الحزب الاشتراكي الاسباني مع بوديموس بعدم الاتفاق على برنامج حكومي وتشكيل حكومة ائتلافية. محاولة العودة
للمفاوضات مع حزب بوديموس لم تفضي من جديد إلى اتفاق بين الحزبين اليساريين قبل نهاية الأجل الذي يحدده الفصل 99 من
الدستور الاسباني والذي ينتهي يوم 23 شتنبر الجاري، مشاورات الملك الاسباني مع زعماء الأحزاب الممثلة في البرلمان للمرة
الثانية والأخيرة قبل انقضاء الأجل انتهت هي الأخرى بإعلان العاهل الاسباني عن قراره بعدم تكليف المرشح الاشتراكي لتشكيل
الحكومة بعد أن تأكد من عدم توفر هذا الأخير على ثقة أغلبية كافية لتنصيبه رئيسا للحكومة. القرار الملكي يعني الحل الأوتوماتيكي
للبرلمان وتنظيم انتخابات جديدة يوم 10 نوفمبر من هذه السنة.
لماذا فشل اليسار الاسباني في تشكيل الحكومة؟
النتائج التي حصدها اليسار الاسباني في انتخابات 24 أبريل الفارط تعطي إلى جانب أصوات بعض الأحزاب الجهوية أغلبية كافية
لتشكيل الحكومة بقيادة الحزب الاشتراكي، وعبرت هذه الأخيرة دعمها للمرشح الاشتراكي بدون شروط في حالة توصل الحزب
الاشتراكي وبوديموس إلى اتفاق بشأن الحكومة المقبلة، لكن المفاوضات بين الزعيم الاشتراكي وزعيم بوديموس انطلقت متعثرة
باعلان هذا الأخير عن تمسكه بالمشاركة في الحكومة بدل الاكتفاء باتفاق على البرنامج الحكومي على الطريقة البرتغالية، واعتبر
الحزب الاشتراكي على لسان زعيمه المكلف بتشكيل الحكومة أن مشاركة زعيم بوديموس في الحكومة يهدد انسجام الحكومة
واستقرارها، وسيجعل منها حكومة برأسين، وأن المهم أن يتفق الحزبين على برنامج يلخص أهم عناصر الاتفاق بين الحزبين، كما
عبر الزعيم الاشتراكي عن تخوفه من عناصر الاختلاف بين الحزبين في قضايا حساسة مثل الموقف من الاستفتاء في كطالونيا
وغيرها في السياسة الخارجية والاقتصاد.
يعتبر أغلب الخبراء في الشأن السياسي الاسباني أن العلاقة بين الزعيمين تميزت دائما بالتوتر وعدم التفاهم، وأن تشكيل حكومة
ائتلافية بوزراء من حزب بوديموس بمثابة قنبلة موقوتة ستنتهي بانتخابات سابقة لأوانها. سكرتير التنظيم في الحزب الاشتراكي
ووزير التجهيز في حكومة تصريف الأعمال خوصي لويس أبالوس صرّح أن حزبه ينتمي إلى يسار ديموقراطي اجتماعي وسطي
ومعتدل، وأنه حزب يراكم تجربة حكومية طويلة، ولا يمكنه أن يغامر في هذه المرحلة بحكومة ائتلافية مع حزب يساري حديث
العهد بالتأسيس، ويتموقع حتى الآن على يسار الحزب الاشتراكي، ويفتقد لتجربة حكومية.
من الواضح أن الحزب الاشتراكي كان يراهن على تشكيل حكومة اشتراكية بوزراء اشتراكيين مع بعض المستقلين المقربين من
حزب بوديموس، وأن تكتفي بوديموس في هذه المرحلة بدعم الحكومة الاشتراكية بناء على برنامج مشترك. من جانبه بوديموس ظل
متمسكا بالمشاركة في الحكومة بوزراء ووزيرات من الحزب، كما أن الوضع الداخلي لحزب بوديموس وتراجعه في الانتخابات
الأخيرة سواء التشريعية أو الجهوية والأوروبية جعلت من رغبته في دخول الحكومة حاجة مستعجلة وفرصة لا يمكن إضاعتها
لترتيب البيت الداخلي وتغيير صورته كحزب معارض للنظام والاستقرار. من أجل ذلك أقدم زعيم الحزب بابلو إغليسياس على
حركة ذكية بالإعلان عن استعداد الحزب على اقتراح أسماء أخرى من حزبه للإستوزار، وأنه خارج المقترحين رغم استيائه من
ذلك. وانتهت الجولة الأولى من المفاوضات بعد هذه المناورة بانفراج مؤقت أعاد الأمل بإمكانية تشكيل الحكومة، واضطر
الاشتراكيين للترحيب بالمبادرة واقتراح ثلاث وزارات على بوديموس بالإضافة إلى نائب أو نائبة لرئيس الحكومة مكلفة بالشؤون
الاجتماعية، لكن اقتراح الحزب الاشتراكي كان ملغوما حسب بوديموس لأن الوزارات المقترحة تم تفويت صلاحياتها إلى
الحكومات الجهوية(وزارة الصحة ووزارة السكن ..) ، زعيم بوديموس يعتبر أن اقتراح نيابة رئاسة الحكومة الذي توصل به فريقه
في المفاوضات كان منصبا فارغا من الصلاحيات، واعتبر زعيم الحزب أن الاقتراح بمجمله ملغوما ومُذِلاّ ويهدف إلى عرقلة الاتفاق
وإفشاله، وأن الحزب الاشتراكي يبحث عن مبررات لإجهاض الاتفاق والعودة إلى صناديق الاقتراع، خصوصا وأن استطلاعات
الرأي تتوقع للحزب تحسين نتائجه في حالة إعادة الانتخابات.
انتهت المفاوضات إلى فشل ذريع بين الحزبين بعد أن رفض حزب بوديموس العرض الذي قدمه الحزب الاشتراكي ورفض حزب
سيودادانوس من وسط اليمين عرض الاشتراكيين بامتناعه عن التصويت لتسهيل تشكيل حكومة أقلية دون الحاجة لأصوات بوديموس
والأحزاب الجهوية الانفصالية، ويستمر الجدل بين الأحزاب الثلاثة عن مسؤولية العودة للانتخابات للمرة الرابعة خلال أربع سنوات،
وتتوقع استطلاعات الرأي ارتفاع نسبة المقاطعين الغاضبين من فشل الطبقة السياسية في التوافق وتشكيل الحكومة.
إسبانيا تتجه إلى انتخابات تشريعية رابعة في ظل مؤشرات اقتصادية تنذر بالأزمة، واقتراب موعد البريكسيت البريطاني ـ ربما دون
اتفاق ـ ، واقتراب موعد الإعلان عن الأحكام القضائية في حق المتهمين من الحكومة الجهوية الكطلانية السابقة بالعصيان وتنظيم
استفتاء الاستقلال غير القانوني ، واحتمال عودة التوتر والعصيان المدني في كاطالونيا، وفي ظل ارتفاع معدل البطالة وصعود
اليمين المتطرف. إسبانيا مفتوحة على المجهول في أفق انتخابات يحتمل البعض أن نتائجها لن تختلف عن سابقتها، واليسار الاسباني
يتحمل جزء كبير من مسؤولية عدم القدرة على الاتفاق، ومهما كانت النتائج لصالح الحزب الاشتراكي وحزب اليمين الشعبي كما

تشير إلى ذلك بعض التوقعات، يبقى الشعب الاسباني الخاسر الأول من حالة اللااستقرار والجمود في ظل أربع سنوات من حكومات
تصريف الأعمال.
يتبع ..

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *