لماذا لا ينبغي السكوت عن قضية خاشقجي؟

محمد مغوتي 8:58 - 1 نوفمبر 2018

لماذا استحوذت قضية تصفية الصحفي السعودي جمال خاشقجي داخل قنصلية بلاده في اسطنبول التركية على هذا الإهتمام الدولي الواسع؟ وهل تستحق الواقعة كل هذا اللغط الإعلامي؟. وما الذي يمكن أن يتغير في علاقات الغرب مع السعودية بعد هذه الحادثة؟. تلك أسئلة يطرحها المراقبون والمحللون على نطاق واسع. وهي أسئلة مشروعة على كل حال، لأن عملية قتل خاشقجي ليست جريمة عادية، وذلك لا يتعلق فقط بقيمة وقامة الضحية في الساحة الإعلامية، بل لأن العملية ترقى إلى مقام ” إرهاب دولة ” سواء من حيث أسلوب تنفيذها أو مسرح حدوثها أو طبيعة المتورطين الفعليين والمفترضين فيها.

لقد بدا العالم الحر حتى الآن موحدا في رفض هذه الجريمة البشعة واستنكارها والحرص على المطالبة بإظهار الحقيقة ومحاسبة قتلة خاشقجي، لأن ما حدث زعزع أركان الديبلوماسية الدولية، وهز الوجدان الإنساني في كل مكان… وينبغي على أحرار هذا العالم أن يضغطوا بكل قوة في اتجاه إظهار الحقيقة كاملة، وذلك لثلاثة اعتبارات أساسية:

– قتل الصحفي جمال خاشقجي على يد كتيبة الإعدام السعودية يراد منه كتم أنفاس الأصوات المطالبة بالحرية والعدالة والديموقراطية، ومن شأن الصمت على الجريمة أو إفلات القتلة من العقاب أن يشجع الأنظمة الديكتاتورية على التنكيل بمعارضيها في المستقبل بطرق مماثلة أو أكثر بشاعة. وهذا يعني أن السكوت على ما جرى سيكون بمثابة منح ضوء أخضر للدول التي تنتهك حقوق الإنسان في مواصلة سياساتها القمعية. ومن تم فإن العالم الحر مدعو اليوم أكثر من أي وقت مضى للدفاع المستميث عن حرية التعبير والديموقراطية، والإنتصار لحقوق الإنسان والوقوف إلى جانب المستضعفين في كل الدول “المارقة” بالمعنى الحقوقي لا السياسي.

– الجريمة النكراء التي شهدت فصولها قنصلية السعودية في اسطنبول تعد امتحانا حقيقيا لمصداقية المؤسسات الرسمية الغربية على العموم والأمريكية خصوصا. ويبدو حتى الآن أن القوى الأوربية الفاعلة متناغمة مع مظاهر السخط العارم الذي عبر عنه الرأي العام الدولي، غير أن الموقف الأمريكي يعرف تذبذبا واضحا بسبب محاولات إدارة ترامب لتجاوز الأزمة حفاظا على المصالح الإقتصادية للبلد. ويظل موقف الكونغرس الأمريكي مهما للغاية في هذا المقام. فالعالم يطالب الولايات المتحدة اليوم أن تغلب الوازع الأخلاقي على المطلب البراغماتي في تعاطيها مع الدول المنتهكة لحقوق الإنسان. لذلك فإن الضغط الذي تمارسه وسائل الإعلام الأمريكية المؤثرة في صناعة القرار الرسمي الأمريكي والموجهة  للرأي العام ك”واشنطن بوست” و”نيويورك تايمز” و”سي إن إن” وغيرها، هذا الضغط إذن يضع الإدارة الأمريكية في موقف حرج، ويفرض عليها اتخاذ مواقف واضحة لعزل السلطات السعودية، وعدم منحها أي غطاء للمضي في ممارساتها القمعية ضد المعارضين.

– الدور الجديد الذي بدأت تقوم به السعودية خلال السنوات الأخيرة ينطوي على مفارقة عجيبة، فالتوجه الجديد الذي يقوده ولي العهد محمد بن سلمان يطرح كثيرا من علامات الإستفهام. هذا الذي يقدم نفسه للغرب باعتباره إصلاحيا متنورا، يسير على حبلين، فهو يقدم إشارات تعبر عن الرغبة في التحديث وتوسيع مجال الحريات في البلد، لكنه في الآن ذاته يسعى إلى الإمساك بكل تفاصيل السلطة بيد من حديد، وهو ما تؤكده الإعتقالات الممنهجة ضد الدعاة والصحافيين وكل الذين يعبرون عن مواقف منتقدة للنظام حتى ولو كان الأمر لا يتجاوز حدود النصح. كما أن مشاهد ويلات الحرب في اليمن وحصار قطر تهدد ما تبقى من استقرار في المنطقة برمتها. وبالتالي فإن العلاقات مع السلطات السعودية تضع الضمير العالمي أمام امتحان أخلاقي عسير في ظل الإتهامات التي تلاحقها في قضية تصفية خاشقجي، لأنه ليس بالإمكان التعاطي مع دولة تقدم نفسها كشريك لمحاربة الإرهاب، لكنها متهمة في الآن نفسه برعايته وممارسته.

لذلك فإن إبقاء ملف اغتيال هذا الصحفي مفتوحا من خلال وسائل الإعلام والمؤسسات الحقوقية وكل الفاعلين والمؤثرين في القرارات الدولية مثل الشركات الكبرى والمعاهد والمنتديات الإقتصادية والثقافية والإعلامية… أمر ضروري حتى يتم الكشف عن الحقيقة وتطبيق مقتضيات القانون الدولي، لأن ما حدث في القنصلية يعد أمرا غير مسبوق في التاريخ المعاصر للعلاقات بين الدول. وهذا يعني أن أفق التحقيق في القضية ينبغي أن يظهر الجهة التي خططت للعملية وأمرت بالقيام بها، أما طقوس أكباش الفداء فليست سوى قرابين للتغطية على جريمة دولة؛ تقول كل المؤشرات أنها تمت بسبق إصرار وترصد…

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *