ماذا تبقى من”فوق فكيك” العزيزة؟

اسماعيل طاهري 13:56 - 25 مارس 2021

يروى أن عبارة ” فوق فكيك” تعني عند المغاربة الخير، والصحة الجيدة. ففي سنتي 1944و 1945 لم تعرف مدينة فكيك مجاعة وأوبئة “عام البون” نتيجة الجفاف وإجراءات فرضها الإستعمار.

ولذلك كانت لفظ “فوق فكيك” يحيل على التحدي الأسطوري للمحن والمصائب.

فكيك اليوم مكلومة ، بلاد محمد عابد الجابري أنفاسها تكاد تختنق.

فهي المدينة الوحيدة في المغرب التي لها أمازيغية خاصة بها. وتكاد الأمية تنعدم فيها. وصارت رمزا للصمود والتحدي والصبر والوطنية رغم وجودها بين فكي نظام العسكر الجزائري.

فالمدينة تئن بعد قرابة 40 سنة من اتفاقية تلمسان1972 المشؤومة والتي نتج عنها هجرة الكثير من سكانها الى الخارج بعد حرمانهم من معظم أراضيهم البورية والفلاحية التي تنتج تمر ” العزيزة” والتي لازالت محتلة من لدن عسكر الجزائر.

****. 

كان المغربي عندما يحقق نصرا ذاتيا على غمة مالية او عائلية او حتى عاطفية او يفوز المنتخب الوطني بمباراة حاسمة .، يكاد يطير من الفرح يصيح بصوت عال والنيازك تتطاير من عينيه:

فوق فكيك (بثلاث نقط فوق الكاف figuigue)

وسألنا عن معنى هذه الجملة العجيبة؟

فكانت الاجوبة تربط ذلك بفشل محاولات الجيش الجزائري تجاوز الجبال التي تحيط بواحة فكيك.

وكان يقال لنا في الثمانينيات من القرن الماضي اذا تجاوز الجيش الجزائري مرتفعات فكيك سيعني أنه فتح “الثغرة” التي تمكنه من احتلال المغرب بكامله بسهولة. وعندما كنا نسمع تهديد جنرالات الجزائر للمغرب والحديث عن قدرتهم على احتلال الرباط في عشرة دقائق، كنا نفهم أن المقصود بالرباط هو فكيك.

وكان يقال لنا أيضا أن السيطرة على مرتفعات فكيك مكنت الجنود المغاربة من مراقبة المسافة الرابطة بين فكيك وتلمسان ووهران وهي اراضي مغربية احتلتها فرنسا وسلمتها للجزائر ولكنها مراقبة وتحت نيران الجيش المغربي المرابط في أعالي مرتفعات فكيك.

ماذا تبقى من هذه الحقائق التي تختلط فيها الحقيقة بالأسطورة.؟

ولحد الآن ليس هناك تفاصيل عن هذه الحرب، هل هي حقيقية أو وهمية. وليس هناك دراسات تاريخية حول تاريخ حرب الصحراء الشرقية حتى نتمكن من التمييز بين الحقيقي النسبي والوهمي الخرافي من الروايات الشفهية المتعددة.

فعبارة “فوق فكيك” أسطورة تملكت أجيال من المغاربة وسحرت أحلامهم وصارت مخيالا مشتركا في الذاكرة الجمعية للمغاربة في كل مكان.

ويبدو اليوم أنه جرت مياه كثيرة تحت الجسر, وبتنا نتجه رويدا رويدا نحو ” تحت فكيك” أمام الموقف الضعيف للحكومة المغربية في أزمة العرجة. وصمت القبور الذي نهجته أمام مس واضح وجلي بالسيادة الوطنية ونزول الجيش الجزائري لتنفيد اتفاقية لم تنفذ بعد، وحدود لم يتم تسطيرها بالأثافي والأوتاد، في خرق واضح للقانون الدولي، علاوة على عدم شرعية اتفاقية تلمسان نفسها ومخالفتها للدستور المغربي ولعقد البيعة الشرعية.

ونخشى أن يأتي اليوم الذي تطالب فيه دولة الجزائر بما تبقى من واحة فكيك ومدينها بكاملها كما تروج أوساط إعلامية جزائرية مغرضة.

****

فإذا اصبحنا “تحت فكيك” في ملف العرجة في فكيك نفسها, فماذا نقول عن بقية الملفات الوطنية الأخرى.

والسؤال المؤرق اليوم هو :

الى اين يتجه المغرب اليوم؟

هل يتجه الى فوق فكيك أم الى تحت فكيك.؟؟؟

وانطلاقا من قوانين النسبية يمكن الحديث, هنا والآن, عن بعض مظاهر الإنكسار والإنحدار الى ” تحت فكيك” :

– فضيحة ضرب الأساتذة المتعاقدين في الشارع العام للرباط ضد الدستور، واستدعاء “الشبيحة” لكسر عظام الأساتذة. وتوظيف أبواق”العصابة”  لتخوينهم والتشهير بنضالاتهم الشرعية والمشروعة.

– إضراب المعطي منجب عن الطعام لثلاثة أسابيع، ودخوله مرحلة الهذيان الذي قد يفضي الى الموت، وفرنسا تعرض عليه حماية قنصلية.

عجز الدولة عن الخروج من ورطة حراك الريف بشكل مشرف يراعي القانون وحقوق الناس. الحراك نفسه الذي أعاد عقارب المصالحة مع الشمال الى الوراء.

– إضراب عن الطعام يخوضه المعطلون حاملو الشهادات بفاس منذ أكثر من أسبوع.

– الجزائر تعيد احتلال اراضي مغربية والفلاحون الغلابة يرحلون نخيلهم الى المغرب في مشهد  عجيب وغريب والحكومة خارج الزمن مشغولة بانقساماتها وحصص أحزابها من السلطة. وكعكة الإنتخابات القريبة.

– استمرار مظاهر الفساد والإستبداد وعودة مظاهر سنوات الرصاص والدولة البوليسية.

*****

وعودة الى موضوع “فوق فكيك” سجلنا تنظيم مظاهرات عارمة بمدينة فكيك لضحايا الاحتلال الجزائري الذي يطوق فكيك ويكاد يخنقها، بل خنقها، متظاهرون مغمومون يرفعون شعار: “المدن نميتوها وفجيج خنقتوها..” في إشارة الى تداعيات تهميش المنطقة لعقود واعتبارها منطقة عسكرية.

ما ألمني في قضية العرجة بفكيك هو المظاهرات الصامنة للأهالي. والمشاهد الجنائزية بمختلف أطراف المدينة، ومنظر الحافلات تحمل اشجار النخيل التي طردها الإستعمار من بلادها المغرب. ولجأت الى بلادها المغرب لعلى وعسى تكتب لها حياة أخرى “فوق فكيك”.

أين الوطنيون؟

أين الديمقراطيون؟

ما هذه الإنتظارية القاتلة؟

هل تم تدجين النخب الى هذا الحد؟

النخب اياها التي تتسابق في حرب المواقع وعندما تصل عصاباتها الى المناصب, المنتخبة والتكنوقراطية،  تبيع مبادئها ومواقفها في سوق النخاسة السلطوية ويصبح همها هو إعادة تدويرRecyclage  مواقف السلطة المحددة سلفا في البرنامج الثابت المسمى”السياسية العامة للدولة”. الذي صار يشبه”اللوح المحفوظ”.

****.   ****

عندما كانت تعبر أحزاب الكتلة الديمقراطية ، خلال عقد التسعينات من القرن الماضي، عن رفضها احتكار الدولة لملف الصحراء، وتهميش الأحزاب الوطنية الديمقراطية، كنا نستغرب عدم رد الدولة عليها، بل كانت الدولة ماضية في تنفيذ ما تريد وتعطي الإنطباع أن أسرار الملف، والمبادرات بشأنه من اختصاص القصر ووزارة الداخلية…بل كان إدريس البصري يمنع الأحزاب الديمقراطية من دخول الصحراء ويضيق على نشطاء حقوق الانسان. كما كان  يحارب حتى أنشطة أحزاب الكتلة الديمقراطية بدعوى قدسية القضية الوطنية ولا مكان للمعارضة في الأقاليم الجنوبية.

وكانت لسياسة إقصاء الأحزاب من تدبير ملف الصحراء نتائج سلبية وتداعياته لازالت مستمرة الى اليوم، ولكن كانت هناك نخب تقول “لا”. أمام “تجاعيد الأسد” كما قال الشاعر عبد اللطيف اللعبي في روايته.

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *