مقامة كورونا وشهبندر التجار

مولاي إسماعيل العلوي 22:28 - 10 مايو 2020

في الوقت الذي فشا في الأرض الوباء، وانحشر وحش خفي بيننا وعم البلاء، وفرت البشرية كلها مكممة منه رافعة الراية البيضاء، فقد أعجز الفيروس فينا أمهر الباحثين والاطباء، ورفع اهل الارض قاطبة أكفهم عاجزين إلى السماء، لعل الرب القادر الرحيم ينظر لعجزهم ويستجيب الدعاء، في هذا الزمن العصيب على بني الإنسان، والناس صيام قيام في شهر رمضان، وفي غياب تام لمردة الجان ونزغ الشيطان، أبت مملكتنا الشريفة الا ان تتصرف بحكمة وحزم ودهاء، ولكن حكومتنا الموقرة ضُبطت في حالة تلبس وتسلل تنم عن شبه غباء وبلادة بلهاء..!

المتن

زعموا أن وُحيشا خفيا يطيح بأمهر الخبراء والباحثين والأطباء، وله قدرة هائلة على خرق حصون القصور وأبراج الأمراء، ويهزأ باحتراز أصحاب المهابة والسعادة والسمو والوزراء، فلم يرحم هشاشة كبار السن او الضعفاء من الفقراء، فها قد عم البلاء وعز الدواء، وليس امام البرية الا رفع أكف الضراعة بالدعاء لرب السماء، لعله يرفع عنا بمنه وفضله هذا البلاء.. فلا عمرة بقيت ولا حج ولا صلاة في جماعة، بل فر المرء من أخيه وأمه وأبيه وكأنها الساعة، فرغم موت الحبيب ولوعة الفراق، لن يتصافح المعزون أبدا او يهموا بالعناق!! سيغيب الاحباب والاعزاء عمدا عن مجلس العزاء، فلن يجتمع الاصحاب قط في خيمة العشاء، بل اكتفى كل فرد فينا –عن بعد- بالدعاء..

بالله عليك يا أرض قد كنت بالأمس شاسعة الفضاء، وها أنت ذي قد ضقت بنا اليوم بنزول ذا القضاء، صال وجال البلاء في الدنا حرا وأرهب الناس، لا يوقر المَهين كبيرا بل يهجم ويكتم الأنفاس، وكل من مسه بضر وأتاه الباس، يقال له فورا: ابق بعيدا عندك محجورا فلا مساس..! في رمشة عين اختفى كل نشاط جماعي، وفُرض على الجميع الفراق و”التباعد الاجتماعي”، وهجم الملل على الأجيال كلها، ولم تنفع معهم مواقع التواصل الاجتماعي!!

لاثقة في عتيقة

لما حلت كورونا بأرضنا مستهزئة بكل دواء، وافرغت شوارع البلدان وضاق الفضاء، أظهرت حكومتنا بفخر وحزم حسن البلاء، وطارت سمعتها في الآفاق وبلغت عنان السماء، ولكن بمجرد ما اصبحنا “رسميا” مضرب الأمثال، واهتم الناس واغتموا وكثر الانشغال، كان لابد من اغتنام الفرصة السانحة وحسن الاستغلال، وآن أوان الضبط والتحكم في الحرية ووسائل الاتصال، ولا بأس بشيء من الشطط والتسلط والاستغفال..!

فجأة، وفي ظل هذه الأجواء الكورونية، تنادى أهل الحل في العدالة والتنمية، وتذكروا اخيرا أن البلاد في حالة طوارئ صحية، وأن لها لا لغيرها حق الاسبقية والاولوية

وسوست نفس الوزير مسولة: قم مسرعا واغتنم الفرصة السانحة، ومرر سرا بعض البنود الكالحة، واحذر يارفيق أن تفوح الرائحة، فلتوسيع السيطرة لن تجد قط مثل هذه الجائحة، فمادامت الدولة مشكورة قد سيطرت على الإصابات وتحكمت في الازدياد، ونجحت في التقرب منا وكسب العباد، وسطع نجم رجال السلطة والاعوان والقياد! وأبان الموطنون عن حب أصيل للبلاد، كان لا بد من تشويش جديد من الاتحاد…! ففي الوقت الذي جُرم الخروج إلا لسبب قاهر من الاسباب، وأصبحت تأشيرة “المقدم” ضرورية لتجنب العقاب، والتزم الناس بيوتهم وغلّقوا الأبواب، ومُنعوا من لمس بعضهم وحُرّم الاقتراب، تسرب ما دَبر بليل وزيرُنا في الاتحاد، إنّ هذا حقا لهو العَجب العُجاب !

ففي هذه الظروف العصيبة الاستثنائية، انتبه اليساري الغبي الدهي إلى “ضعف” الترسانة القانونية، وأنها “المسكينة” عاجزة عن ردع الجرائم الالكترونية، واصفا إياها بأنها ضعيفة، ناقصة و”غير كافية”، فكان لا بد من استغلال الظروف الحالية، لمدها بجرعة عالية التركيز من التشدد والتسلط والتقوية، فما دام الهدف النبيل –يا سادة- هو تقوية قوانيننا الجنائية، وتعزيز ترسانتنا بنصوص راعدة زجرية، لأجل مكافحة كافة الجرائم المعلوماتية، وتضييق الخناق على الانشطة الإرهابية، ورصد المجرمين المحترفين عبر الشبكات العنكبوتية، فلا بأس من “تضحية” المواطن الصالح بشيء من الفشوش والانانية، وقليل من حقه في التعبير أوما يسمى ”حرية“!

ولا تقلقوا أبدا، فماهي إلا مصادقة أولية، سيعرض القانون بعدها على لجنة وزارية، مزيدا منقحا قبل ذلك من لجنة تقنية، وسيمر أمام الشعب “مباشرة” بعد كورونا على القناة الوطنية، وستوافقون عليه علانية عبر ممثليكم بكل شفافية! وسيكون عرسا جديدا في القبة البرلمانية، ونحتفي جميعا بالاستثناء المغربي وروح “المنهجية الديمقراطية” !! لا شك ان نية حكومتنا هي ملاحقة المجرمين الاشرار، وكذا الحفاظ على خصوصية كل منا وما لديه من أسرار، ولكن عذرا وزيرنا، فما فجّر كل هذه الموجة من الاحتجاجات والإعصار وجر عليك كل ذلك الاستنكار، هو تجريمك الصريح لانتقاد النشطاء الاحرار، لمنتوجات المنعم عليهم من المقاولين المقربين والأثرياء الكبار، وقد اعتبرها البعض –صراحة- حصانة واضحة لشهبندر التجار! فهل حقا يدخل منتقدو منتوجات شهبندرنا وصحبه ضمن لائحة الارهابيين الاشرار؟!

بعد انفجار الفضيحة وتسريب الوثيقة، همس صاحبي على الخاص: لا ثقة في عتيقة! فقلت لعلك تقصد حليمة، وانها تعود دوما لعادتها القديمة، فقال اعرفهما معا ياصديقي واعرف حتى براقش وشخصية عيشة قنديشة واسطورتها القديمة! فأنا لا اقصد حقا حليمة، لأني أعرف جيدا نيتها السليمة! ولكني اقصد “العفريتة” عتيقة، فسلالتها في اللؤم عريقة، وجذورها في التحكم عميقة ..!!

قبيل الختام

فجأة، وفي ظل هذه الأجواء الكورونية، تنادى أهل الحل في العدالة والتنمية، وتذكروا اخيرا أن البلاد في حالة طوارئ صحية، وأن لها لا لغيرها حق الاسبقية والاولوية، وأشادوا ”مشكورين“ بكل النقاشات الساخنة العمومية، ورفضوا- بشجاعة نادرة- أي مقتضيات تشريعية تتعارض مع ممارساتنا للحرية! بل قد دعوا الحكومة -بحضور رئيسها-فورا الى تأجيل عرضه على القبة البرلمانية، مراعاة للظرفية الاستثنائية وصيانة للوحدة الوطنية، وفورا استجاب صاحبنا في القوات الشعبية، فطلب عاجلا تأجيل اشغال اللجنة الوزارية، واجراء المشاورات مع كافة الهيئات المعنية، والسعي لانضاج المشروع في صيغته النهائية، لتكون منسجمة مع المعاهدات الدولية والمبادئ الدستورية! فهل يكفيكم ”تأجيل“ المعركة يامن فجرتم هذه “الفضيحة” المجلجلة المدوية؟!!

حق لكم فعلا ان تفرحوا بهذه ”الهدنة“ المؤقتة الضرورية.. وللمعركة بقية…! وهكذا ياسادة، تم حفظ ماء وجه الوزير وإنقاذه من عواقب المغامرة، ولكن بعض القوى تدعو للاقالة بسبب ”المؤامرة“، وأمام هذه الالاعيب والدسائس والمناورة، ما على الشعب حقا الا مزيدا من اليقظة والوحدة والمثابرة..

وأخيرا

وأنت، وإن كنتَ ضيفا ثقيلا علينا، وفرضت المكث في البيوت علينا، واعترفنا صاغرين انك –لحد الآن- منتصر علينا، فإنا قد تعلمنا أن ندع الأيام تفعل ما تشاء، وأن نطيب نفسا إذا حكم القضاء، فحقا ما لحوادث الدنيا بقاء، وقطعا لا حزنا يدوم ولا بؤسا يستمر ولا عناء، فستمضي قريبا غير مأسوف عليك كما مضى الاولونا، وستحكي الجدات نهاياتك غدا ويفرح بقهرك العالمينا، وسنذكر لك انك وإن ابعدتنا حينا عن الاسواق والملاعب والأهواء، فقد قربت كثيرا منا من نفسه وأهله ورب السماء.. ونقول لكل الاحباب انتظرونا فإلى اللقاء.

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *