مهرجان قرطاج السينمائي..

عبد الإله الجوهري 13:47 - 26 أكتوبر 2019

بعد دورتين ناجحتين، تحت إدارة النبيل الراحل نجيب عياد، يعود مهرجان قرطاج لتنظيم دورة من دوراته السينمائية المضمخة بعطر الأفلام والفنانين والنقاد والصحفيين والأحباب، القادمين من الدول العربية والإفريقية، ومعهم الكثير من رجال الصحافة والإعلام والسينيفليين من مختلف بقاع العالم. عودة حزينة برحيل المدير، لكنها مفرحة لكونها تحمل الآمال والوعود في أن تكون مختلفة من حيث البرامج والفعاليات ونوعية الضيوف، حيث لن تخرج عن التصورالعام الذي طالما كانت له وفية، وكما تصوره دائما نبيل النبلاء نجيب عياد، تصور الإنتصار للإنسان والفن، ومن خلالهما الإنتصار لمفاهيم السلم والسلام، في بلد كان دائما فضاءا للتلاقي والتعايش، وفي نفس الآن فضاء للمواجهة، كلما تجرأ البعض أوتوهم بامكانية التطاول على سيادة بلد أحب ويحب نسائم الحرية والعيش الحر الكريم..

تونس الخضراء، أو بلد عوليس وحنا بعل وابن خلدون وخير الدين التونسي والشابي والصغير أولاد أحمد والعديد من رجال السياسة والشعر والأدب والفكر، هي نفسها، وليس غيرها، تونس الفن والفنانين، أو بلد الطاهر شريعة وبهاء الدين عطية والطيب الوحيشي ونوري بوزيد ونجيب عياد، وغيرهم كثير، بلد النماء والبهاء، من خلال رموز شيدت مسارات ابداعية فنية متباينة، رموز وقامات عرفت كيف تصنع مجدا تونسيا سينمائيا، وتحافظ عليه من التنافس الفج، والسرعة الهوجاء لإقامة تظاهرات خرقاء معتمدة على قوة المال، تتوقف بعض دورات جد قليلة، بل وأن تجعل من مهرجان قرطاج قبلة حقيقية لكل عشاق الصورة السينمائية والنقاشات الفنية واللقاءات المعرفية الجادة المجدة في بناء صرح الحضارة والنضارة، لبلد قد لا يكون مالكا ما تملكه الكثير من الدول عبر العالم من موارد وامكانيات طبيعية، لكنه يملك، في اعتقادي، ما هو أهم وأقدس وأنفس من كل كنوز الدنيا، يملك الإنسان وطاقاته اللامتناهية، يملك التونسي المتفرد بتاريخه وأصالته وعشقه لكل ما هو جميل، وفي نفس الآن، متفرد بتطلعاته اللامتناهية للسير على نهج التطور والحداثة، التونسي الذي صنع ويصنع هالة حقيقية كبيرة وحضورا قويا، أينما حل وارتحل في بلدان الدنيا، التونسي المصر، دائما وأبدا، أن يكون هنا والآن، وفي كل الأوقات والأزمنة، قويا سليما معافى…
هنا تحضرني المقابلة الصحفية لملك المغرب، الراحل الحسن الثاني، حين سئل عن تونس، ذات صيف من سنة 1982، وعن الخطر الذي كان يتهدد استقرارها آنذاك، حيث قال، في سياق حديث طويل عن تحديات المرحلة، ومشاكلها السياسية العديدة، وعن تونس بالذات: ” لا يمكن لأحد أن يزعزع استقرار تونس، لأنه يمكن أن نزعزع استقرار نظام ما وأن نجبره على التوقف أو الإنهيار، أما زعزعة استقرار بلد كتونس، فذلك من عاشر المستحيلات، لأن البلد لا يتزعزع، وما دام هناك تونسي واحد حي، لا يمكن لأحد أن ينال من تونس أو ينال من استقرارها”.

نعم، استقرار تونس من وعي ساكنتها وإصرارهم على التفرد ديموقراطيا وفنيا وابداعيا، وقوة مهرجانها السينمائي الأشهر من قوة الإنسان التونسي وإرادته في التميز، أي من قوة الرواد الذين خلقوه وحافظوا عليه، من قوة أجيال رائدة بكل ما للكلمة من معنى، أجيال معروفة معلومة عند الجميع، وأجيال تالية أخرى اشتغلت وتشتغل في صمت ونكران للذات، أجيال، جميعها، أعطت من لحمها ودمها وعقلها لكي يكون هذا الفعل الثقافي الإبداعي متميز، ولكي يبقى، لغاية اليوم، صامدا من أجل أن نستمتع نحن عشاق الأفلام الجيدة، بكل ما هو سينمائي إفريقي وعربي، وأن نستمتع باللقاءات والندوات والجلسات والمحاضرات، ولنقر في النهاية أن لنا الكثير من الحظ، كوننا أصدقاء لتونس وللسينما التونسية ومهرجانها العتيد، لهذا وجب أن نقول:
شكرا تونس، وشكرا منظمي، الدورة الحالية، دورة العزيز الغائب/ الحاضر نجيب عياد، وإننا على حب تونس وجب أهلها لباقون.

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *