وجه لوجه: خيار العقلاء بين الأساس والمرتكز

المريزق المصطفى 14:59 - 30 أبريل 2018

لم تعد تفصل عضوات وأعضاء المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة إلا ساعات قليلة عن محطة استثنائية من محطات ال10 سنوات، كما لم يعد هناك من شك، الآن، في أن الرجة التي اندلعت في الحزب مباشرة بعد تقديم الرفيق إلياس العمري استقالته كانت خيار الديمقراطيين التقدميين. ولم يعد من شك، أيضا، أن ما عبرنا عليه، في مناسبات عديدة، من ديناميات إجتماعية ومن أنشطة إشعاعية ومن مواقف نضالية شعبية، كانت تعبيرا عن خيار نابع من الإيمان بالحرية السياسية التي رضعناها مع حليب الشهداء من أجل مغرب حقوق الإنسان ودولة المؤسسات والحق والقانون، وتعلمناها من أساتذتنا الكبار الذين ضحوا بالغالي والنفيس من أجل أرض ووحدة الوطن وتنوعه، ومن أجل أطفاله ونسائه وشبابه. ولا يزال موقفنا من هذا التراث يعد مرجعا أخلاقيا لا يمكن إقباره مهما كانت الظروف، ولا يمكن التنكر له مهما كانت الإغراءات.
وقبل أيام قليلة، نشرت العديد من وسائل الإعلام وقنوات الوسائط الاجتماعية والإخبارية، بأن ما يقع في “البام” شيء يستحق الحذر والانتباه والترقب، وذلك تعويضا عن المركز الذي فقده الحزب – ربما – في التواصل مع أوسع قاعدته وحلفائه وعموم الرأي العام المتتبع.

وذكرت مصادر مختلفة ، كذلك، أن “القوات المناضلة” داخل الحزب أقامت عدة ‘رادارات ومتاريس’ لمراقبة الوضع، حرصا على الوحدة وخوفا من انسداد الأفق أمام نجاح الخيار الديمقراطي التقدمي الذي من أجله لازلنا صامدون وواقفون، رغم الضربات ورغم تشويه دفاعنا المسميت عن الكرامة داخل الحزب وفي المجتمع، ورغم نبذ تشبثنا بأصول الانتماء الشريف إلى الوطن، وحرصنا الشديد على احترام مؤسساته، وإيماننا العميق بدور الفاعل السياسي والمدني في بناء المشروع الحداثي الديمقراطي من أجل الدولة الاجتماعية، القائمة على الحق في الثروة الوطنية، والعدالة المجالية والبنيات الأساسية (التعليم، الصحة، الشغل والسكن)، حتى ينعم مجتمعنا بالمساواة والعدل والحرية.
رفيقاتي ورفاقي أحباي الطيبين، في الحزب وخارجه..

ربما انتظرتم طويلا أن أعبر لكن ولكم عن رأيي الشخصي بخصوص الاستحقاق الداخلي للحزب الذي نلتقي حوله اليوم والذي طالما انتظرناه جميعا، ليس دفاعا عن أحد بل إكراما لتجربة أخذت من عمرنا الكثير، ووشمت ذاكرتنا بأحداث ووقائع وانتصارات وهزائم.
رفيقاتي ورفاقي، أحبائي الطيبين، في الحزب وخارجه..
منذ أول يوم من أيام عودتي من منفاي الاختياري، قلت أني “لم أعد أخاف من الوطن بل أصبحت أخاف عليه”، وأنا أحاول جاهدا أن أتعلم من جديد دروس ومبادئ الفعل الاجتماعي القائم على الحب والعلاقات الاجتماعية والإنسانية، ومواجهة كل أشكال الظلم ليس بالعنف والتطرف، ولا بالسب والشتم والمناورة والخذلان والتنطع، بل بالممارسة الثقافية والإبداع الأدبي و الإشعاع الفني والتواصل القريب من الناس. إننا غالبا ما لا نعرف عن بعضنا البعض شيئا. ومنكم ومنا من لا نعرفه حتى بالاسم. وقد نعرف الاسم، ونجهل الآراء والمواقف. وربما ظننا أننا مطلعون على كل شيء، ولكننا إذ نعاود قراءاتنا نكتشف أن معلوماتنا نسبية، وأحيانا أعيننا دهشة من وسع الغلط. وهكذا يجد الفاعل الاجتماعي منا نفسه أمام عدد من الأسئلة المحرجة وخاصة إذا كان الأمر يتعلق بمثل هذه المحطة التاريخية من عمر كل واحد منا.

لا شك أننا جميعا قد سمعنا على بعضنا البعض الكثير، وقرءنا عن غيرنا الكثير، وشاركنا بعضنا البعض في عدة تجارب محلية، إقليمية، جهوية، وطنية ودولية، وربما الأقوى في كل هذه التجارب هو ذاكرتنا المشتركة، والتي من دونها لن نكون سوى متطرفين، حاقدين، ناقمين على بعضنا، وإرهابيين ضد ما ضحى من أجله الشهداء والمعتقلين والمنفيين وكل أحرار وشرفاء الوطن.
رفيقاتي ورفاقي، أحبائي الطيبين، في الحزب وخارجه..
استحقاق اليوم، هو محطة عادية في تاريخنا النضالي، ولا يستحق منا لا توزيع الورود ولا إخراج السيوف ضد أي كان، لأن قوتنا يجب أن تنصهر في بوتقة انتمائنا للوطن أولا وقبل كل شيء، ولمذهبنا الديمقراطي التقدمي ثانيا، و ثالثا، للعمل الحزبي كآلية من آليات ممارسة الصراع في كل أبعاده.
فرغم كل التقلبات الظاهرة التي اتسمت بها السياسية في بلادنا، حيال الأحزاب السياسية والنقابات ومنظمات وجمعيات المجتمع المدني، فقد استمر نهجنا في الحفاظ على طابعه السلمي والاجتماعي والإنساني، وعلى التميز الجاد والدائم بين الأساس والمرتكز. ولم تتغير هنا المواقف الثابتة، ولم تحد من مسارها، انطلاقا من ما يربطنا من احترام وتقدير لبعضنا وللمكانة التي تحتلها عندنا كل الأحزاب الصديقة الوطنية والديمقراطية في الداخل والخارج.
ورغم خطورة الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية التي تجتازها بلادنا، وسيل الاتهامات التي وجهت لنا، جاء اليوم رد العقل الذي يجب أن يكون هادئا، وناعما وخاليا من التنابز ومن المواقف العدائية ومن القبلية والانحرافة وتصفية الحسابات التافهة. ولا يجب أن تقف الأمور عند هذا الحد، بل يجب أن نساهم في إطلاق حوار سياسي داخل الحزب وخارجه، والتقاط هذه اللحظة التاريخية، تمهيدا للشروع في بناء مشاريع وسطية عابرة للقوى الديمقراطية والتقدمية، وخلق قيادات بديلة، تعبر عن تيارات مختلفة، متنوعة، متجددة، تبرز كفاءاتها من دون اصطفاف وولاء لأي أحد، في أفق بناء الجبهة الديمقراطية التقدمية.
رفيقاتي ورفاقي، أحبائي الطيبين، في الحزب وخارجه..
وفي ضوء هذه المستجدات والمعطيات، لا نطالب عطف أحد، ولا نريد الشفقة ولا الرحمة من أي كان، كلما نسعى إليه هو أن نستمر فاعلين من أي موقع في معركة تغيير الظروف والأوضاع القائمة راهنا ببلدنا، لتصبح مواتية لدينامكيتنا وتطلعاتها في كل أنحاء الوطن، وبالخصوص في مغرب الهامش.
وبعد، فإننا نؤكد شعورنا بالأسى والأسف حيال العديد من النواقص التنظيمية والسياسية والثقافية التي ساهم كل واحد منا فيها بقسطه، انطلاقا من موقعه، والتي وصلت أحيانا إلى حد الانحراف عن المشروع الذي آمن به الآلاف من المغاربة. لكن إصرارنا على المضي قدما على نهج ” وحدة – نقد – وحدة”، فإننا نؤكد أيضا أن تجربتنا ستثبت بالملموس عقمها إذا لم تعلن اصطفافها للشعب وللقوى الديمقراطية والتقدمية، لأن عناصر القوة الكامنة في شعبنا أقوى من الدسائس التي تحيكها سياسة المصالح والتآمر والتكالب على كل القضايا الوطنية المناصرة للتحرير والتحرر والانعتاق.
فحيى على النضال من أجل الوحدة، ونصرة قضايا الشعب، ومحاربة اليأس وتحقيق الانتصار في القضايا العامة، وطنية كانت أم اجتماعية، من دون تغييب الحق في الحرية السياسية، ومأسسة الاختلاف والتشجيع على خلق تياراته.

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *