وصفات سحرية لكورونا من مصر والجزائر والمغرب

الطاهر الطويل 17:17 - 30 أبريل 2020

اختلط الحابل بالنابل؛ ففي الوقت الذي تسهر فيه المختبرات العالمية المشهود لها بالقيمة والرصانة الأكاديمية على أبحاث وتجارب متتالية، من أجل التوصل إلى دواء لـ «كوفيد 19» ولقاحه، صار بعض أدعياء العلم والطب والابتكار في الوطن العربي (وخارجه) يزعمون أنهم اكتشفوا الوصفات السحرية الكفيلة بإنقاذ العالم من الفيروس اللعين. والأدهى من ذلك أنهم يجدون مَن يصدّقهم ويروّج لترّهاتهم وأراجيفهم، عبر التلفزيون والإذاعة وشبكات التواصل الاجتماعي.
في مصر، عاد أحدهم إلى تراث الفراعنة الغذائي، ليستخرج منه طبخة، اسمها «الشلولو”، مدّعيًا أنها قادرة على الفتك بالفيروس، قبل أن يفتك هو بأجساد ضحاياه وأرواحهم!
وطبعًا، احتفت بعض الفضائيات المصرية بهذا الاكتشاف، من منطلق الريادة المقترنة بأبناء الكنانة في مختلف المجالات، بما فيها الخرافة!
وفي المغرب، انهالت التعليقات الساخرة والغاضبة على خبير في التغذية، اسمه الدكتور محمد الفايد، بسبب تصريحاته المثيرة عبر وسائل الإعلام، من ضمنها زعمه أن علاج «كورونا» يكمن في «القرفة» و”القرنفل”! وإمعانا في القرف (وليس القرفة)، نصح الراغبين في تجنب الفيروس بشرب بول البعير وأكل برازها! (ملحوظة: وصفة ممنوعة على ذوي النفوس الضعيفة).
أما في الجزائر، فحديث الشارع يدور حول رجل أقام الدنيا وأقعدها، بكلام مغرق في الغرابة، حتى غدت القنوات التلفزيونية تتسابق لاستضافته من أجل إضفاء الفرجة والتشويق على برامجها. كلام الرجل، واسمه «لوط بوناطيرو”، سلسلة من «القنابل الإعلامية”، بدءًا بتنبؤاته حول موجات «تسونامي» في الجزائر، ومرورًا بادّعاء انتمائه إلى آل بيت الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وصولاً إلى حديثه عن اكتشاف دواء لفيروس «كورونا» المستجد. وكان على الأشقاء الجزائريين تصديق السيد «لوط» (الذي يُقدَّم بوصفه عالم فلك) منذ رشّح نفسه للانتخابات الرئاسية الأخيرة. فلو حصل ذلك، وولّوه زعيمًا عليهم، لفُتّحتْ لهم أبواب الأرض والسماء، ولجنّبوا أنفسهم ـ ومعهم العالم أجمع ـ الوقوع بين أنياب الفيروس المرعب!
يا أمة ضحكت من جهلها الأمم!

حرب بالوكالة!

«الجمَل لا يرى سنامه»، مَثَلٌ ينطبق على قناة «العربية» التي تسعى، هذه الأيام، إلى جعل موضوع جائحة «كورونا» مَطيّة للهجوم على المغرب؛ تارة بتهويل حالة الطوارئ المعتمدة حاليا، وتارة أخرى بتضخيم عدد المُصابين بالفيروس وعدد الوفيات الناتجة عنه، وتارة ثالثة بالتهجّم على رئيس الحكومة، الدكتور سعد الدين العثماني، من خلال جعل عدم ارتدائه القناع الواقي أثناء الإجابة على أسئلة البرلمانيين موضوعًا يستحقّ النفخ فيه والسخرية من المعني بالأمر. تمامًا، كما تفعل طائفة جبانة مُجنّدة لهذه الغاية، في إطار ما يعرف بـ”الذباب الإلكتروني» على شبكات التواصل الاجتماعي.
وإذا كانت عدة قنوات تلفزيونية عربية وازنة قد نابتْ عن المغرب والمغاربة في الردّ المفحم على سلوك «العربية”، فإن الحقيقة التي يستنتجها المرء من هذه الواقعة (والتي ليست الأولى على كل حال) هي أن القائمين على تلك القناة ومُموّليها يشعرون بالغلّ والحقد تجاه المغرب، بفعل نهج الحكمة والتبصر الذي تعامل به هذا البلد مع جائحة «كورونا» حتى لا تتحول إلى كارثة؛ إذ لم يقف عند ردّ الفعل إزاء الأزمة، ولم ينهزم تحت وطأة آثارها السلبية، وإنما جعل منها فرصة للابتكار والإبداع وإظهار المهارات في مختلف الجوانب الإدارية والاقتصادية والعلمية والطبية والمجتمعية…
أصوات عديدة في قنوات تليفزيونية عالمية لم تخف انبهارها من طريقة تدبير الدولة المغربية للجائحة، إنْ على مستوى فرض العزل المنزلي (أو ما يسمى بالحجر الصحي) وتقييد خروج المواطنين للتبضع والعمل والتطبيب، أو على مستوى توفير كافة الاحتياجات من المواد الاستهلاكية، أو على مستوى توسيع بنيات استقبال المرضى المحتملين، وتجهيزها بالمتطلبات التقنية والطبية الضرورية.
“العربية”، وهي تخوض حربًا بالوكالة ضد المغرب، ظاهرها إعلامي وباطنها سياسي، أغاظها أيضا كيف سارعت العديد من المؤسسات الاقتصادية الخاصة إلى إنتاج كمّ هائل من الأقنعة الواقية، وكيف أن عبقرية بعضها الآخر تفتقت عن تحويل نشاطها الصناعي ـ المتوقف مؤقتا نتيجة الجائحة ـ إلى المساهمة في توفير الأقنعة، والاستعداد لتصديرها إلى خارج البلاد. القناة السعودية أغاظها كذلك، أن العقول المغربية الذكية ابتكرت أجهزة تنفس صناعية متطورة وأقنعة واقية ذات وظائف صحية دقيقة، وغير ذلك من الابتكارات الطبية والعلمية.
أغاظها الإحساس الوطني العارم الذي جسّده العديد من أبناء المغرب العاملين في مختلف المجالات المدنية والطبية والعسكرية والأمنية والاقتصادية وغيرها… مما جعل البلاد تعيش محطة جديدة من محطات التلاحم الوطني، تُذكِّر بمحطة «ثورة الملك والشعب» في 20 آب/ أغسطس 1953 التي كان جيل مقاومة المستعمر الفرنسي والإسباني شاهدًا على بطولاتها المجيدة، ومحطة «المسيرة الخضراء» لتحرير الصحراء المغربية في تشرين الثاني/ نوفمبر 1975 التي عاش أجواءها جيل ما بعد الاستقلال.
ولو أرادت القنوات المغربية أن تردّ الصّاع صاعين للقائمين على قناة “العربية”، كي يجعلهم ينظرون إلى «سنامهم”، عوض النظر إلى «أسنمة» الآخرين، لكان تقرير تلفزيوني واحد كافيا لذلك؛ فشتّان ما بين بلد ـ كالمغرب ـ يمتد في الحضارة والتاريخ، ويؤسس تقاليد ديمقراطية متينة، قائمة على التعددية السياسية وحرية التعبير والصحافة، وبين بلد أُنشئ بالأمس القريب، قطاعاته الاقتصادية والإدارية قائمة على أكتاف الآخرين فقط، بلد لا يؤمن بشيء اسمه الأحزاب والنقابات والانتخابات والمعارضة، كل خبراته وإنجازاته تنحصر في تكميم الأفواه والزج بأصحاب الأصوات المغايرة في غيابات السجون والتنكيل بهم بمنتهى الهمجية!

تصحيح الصورة

تبذل القنوات التلفزيونية المغربية جهودا حثيثة لمواكبة مستجدات الحالة الوبائية في البلاد والعالم، من خلال نشراتها الإخبارية التي تحرص عبرها على تقديم المعطيات الدقيقة، وإنجاز حوارات تلفزيونية يومية مع الخبراء والباحثين والأطباء والمسؤولين… وكذا من خلال الربورتاجات التي تعطي صورا وافية عن عمل الفرق الطبية والأكاديمية والأمنية وغيرها؛ مما ساهم في إعادة الاعتبار وردّ الجميل للأطباء والممرّضين وكافة الأطقم الصحية من جهة، وكذا في تحقيق تقارب إنساني قويّ بين رجال الأمن وعموم المواطنين من جهة أخرى.
الملاحظ أن الوجه الآخر لأزمة «كورونا» يتمثل في كونه ساهم في «أنْسَنَة» العمل الأمني في المغرب، فعِوًضَ الصورة القمعية النسبية التي التصقت لسنين طويلة بأهل الأمن، بسبب بعض التجاوزات الناتجة عن أخطاء سياسية، بَدَا هؤلاء في التقارير التلفزيونية وكذا في مواقع التواصل الاجتماعي أكثر التصاقا بالمواطن، وأشدّ تقديرا لسلوكه الحضاري. ومن بين الصور التي تدوولت بكثرة خلال الأيام الأخيرة: صورة شرطي يؤدي التحية لعامل نظافة في الشارع العام، وصورة مسؤول أمني فاضت عيناه بالدموع وهو يترجى الناس المكوث في منازلهم، وكذا صورة فرق أمنية تؤدي النشيد الوطني تحية لسكان بعض الأحياء الملتزمين بشروط العزل المنزلي.

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *