…ومن سيثأر لشهداء “حراك العراق”؟

علي أنوزلا 13:47 - 8 يناير 2020
غطّى حادث اغتيال القائد الإيراني، قاسم سليماني، وزعيم الحشد الشعبي العراقي، أبو مهدي المهندس، ورفاقهما على باقي أحداث العراق والمنطقة، بما فيها حراك الشعب العراقي الذي ظل مستمرا منذ أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، للمطالبة برحيل الطبقة السياسية التي يتهمها المحتجون بالفساد ونهب ثروات البلاد، وذهب ضحيته أكثر من 408 قتلى، حسب أكثر التقديرات مصداقيةً. مشكل هؤلاء الضحايا أنهم قتلوا بسلاح عراقي، وأوامر من حكامهم الفاسدين، وبالتالي سيذهب دمهم هدرا، كما ذهبت دماء ملايين العراقيين على مر السنين والعقود الأربعة الأخيرة، منذ حروب صدّام حسين المجنونة إلى سقوط آخر متظاهر سلمي في شوارع بغداد يطالب بعراقٍ جديد. يتحدث الكل اليوم عن دم سليماني وثمنه، وينتظر الثأر له، وهو إن حدث فعلا، سيزهق معه أرواحا كثيرة، سيكون أغلبها من الأبرياء ممن لا أحد سيأبه بمقتلهم، لأنهم وجدوا في المكان والزمان الخطأين.
بدايةً، يجب تأكيد أن مقتل سليماني ورفاقه بالطريقة التي تم بها هو عملية اغتيال مقيتة، تشجبها

جميع القوانين الدولية، وتتنافى مع أخلاقيات الحرب وقواعد الاشتباك، وكان يجب الرد عليها أولا بالطرق القانونية، لأنها تكاد ترقى إلى جريمة حرب، بغض النظر عن المستهدف أو المستهدفين ومكانتهم الرمزية في دولهم، فالقصف الذي أدى إلى اغتيال القادة الإيرانيين والعراقيين خرق سيادة دولةٍ هي العراق، وتم توجيه الضربات بالقرب من مطار بغداد الدولي، وهو منشأة مدنية المفروض أن تكون بعيدة عن كل استهداف عسكري. من دون الحديث عن “عملية الغدر” التي تعرّض لها ضحايا هذا الحادث، والتي لا يمكن تبريرها بالقول إن “الحرب خدعة”، لأن هذا المنطق سيفتح باب جهنم على الجميع.
حادث اغتيال قاسمي ومن معه عمل أخرق، وهذا أقل توصيفٍ لفظاعته، أقدم عليه رئيس أميركي رفع عنه القلم منذ فترة طويلة، ولا يمكن تبريرُه بأن أيادي قاسمي، ومن كان معه، ملطخّة بدماء السوريين والإيرانيين واليمنيين الأبرياء، وآخر ضحاياهم عراقيون خرجوا للتظاهر سلميا في شوارع بغداد للمطالبة بعراقٍ مستقلٍّ وديمقراطي. القصاص من مثل هذه الجرائم، عندما يتم التأكد من ارتكابها، كان يجب أن يكون أمام العدالة، وليس عن طريق انتقام رعاة البقر.
وعلى الرغم من فداحة الخسارة الرمزية التي مُنيت بها إيران، لأن الضربة استهدفت المسّ بكبريائها، إلا أن طهران هي الرابح الأكبر منها حتى الآن، لأنها أعادت التأكيد أنها رقمٌ صعبٌ داخل المعادلة العراقية، وفي المنطقة برمتها، يصعب التخلص منها. وقد عكست ذلك الحشود العراقية الكبيرة في المواكب الجنائزية التي شهدتها أكثر من مدينة عراقية، كان حتى الأمس القريب يرفع فيها المتظاهرون شعاراتٍ تطالب بفك ارتباط إيران بمصير بلادهم. وعلى المدى القريب، سيعيد هذا الحادث تثبيت الوجود الإيراني في العراق، وقد أعاد بالفعل تقوية حضور أتباعها والموالين لها في المشهد العراقي، وتجلى ذلك واضحا في أثناء تصويت البرلمان العراقي على إنهاء خروج القوات الأميركية من العراق. وسيتحقق لها ذلك كاملا إذا قرّرت الولايات المتحدة فعلا تقليص وجودها في المنطقة، سواء بإرادة منها، حسب ما تمليه عليها مصالحها الخارجية، أو تحت الضغط الذي ستواجهه قواتها في حال تطوّرت الأمور نحو ما هو أسوأ في المستقبل، فإيران، ستعرف، كما عودتنا في السابق، أن تستثمر كل ربح صغير ليمتد في الزمان، وتجني ثماره مستقبلا بطريقتها الخاصة. والأكيد أن مقتل سليماني ورفاقه لن ينتهي بردة فعل انتقامية، تنفذها إيران أو أحد حلفائها في المنطقة، تجرّ عليها ردّة فعل أميركية أقوى، لأن عقلية “البازار” الإيرانية لن تتحمّل خسارة كبرى، وبالتالي ستقوم بتصريف انتقامها تدريجيا، وعلى فترات زمنية متقاطعة طويلة، وبأقل كلفة. وقد بدأت تهيئ رأيها العام لتقبل ردّة فعلها الانتقامية، والممثلة في هدف استراتيجي كبير، هو إخلاء المنطقة من الوجود العسكري الأميركي، وهو هدفٌ هلاميٌّ طويل الأمد، يمكن أن ينساه أنصارها قبل أن يتحقق.
وفي المقابل، ستزيد الأزمة الحالية من تدويل المسألة العراقية، وبالتالي استمرار رموز الفساد

أنفسهم الذين خرج العراقيون لإطاحتهم، فالمستفيد من إعادة العراق إلى دائرة الصراع الإيراني الأميركي، بل وتحويله ساحةً لهذا الصراع، هم القادة السياسيون العراقيون الموالون لإيران، والقادة السياسيون العراقيون الفاسدون الذين يحميهم الاحتلال الأميركي. وللمفارقة فإن الوجوه نفسها التي كان المتظاهرون يرفعون صورها في شوارع بغداد للمطالبة برحيلها هي التي رأيناها تتصدّر المشهد بعد مقتل سليماني ورفاقه، سواء في المواكب الجنائزية أو داخل البرلمان العراقي أو في وسائل الإعلام. والغائب الأكبر في كل ما يجري اليوم في المنطقة هو أيضا الخاسر الأكبر من هذه المعادلة، وهو الشعب العراقي واحتجاجه السلمي الذي تراجع الاهتمام به إلى الخلف، أمام ارتفاع قرع طبول الحرب التي لن تقع حتما، لأن أصحاب المصالح الكبرى لن يتحمّلوا كلفتها، ولن يتكبّدو خسارتها. وكما يقول المثل “عندما تتصارع الفيلة فإن العشب هو الذي يعاني”، وفي حال الصراع الإيراني الأميركي، فإن من عانى وما زال يعاني منه هو الشعب العراقي الذي لم يطالب أحدٌ بالثأر لشهدائه المجهولين.

عن العربي الجديد
اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *