20 سنة العلاقات المغربية الاسبانية

عبد الحميد البجوقي 22:46 - 5 أغسطس 2019

اقترنت عودة الديموقراطية إلى إسبانيا بموت الديكتاتور فرانكو وبأزمة في العلاقات المغربية الاسبانية وتوترها بعد مطالبة المغرب باسترجاع الصحراء وتنظيم المسيرة الخضراء سنة 1975، واستمرت هذه العلاقات يشوبها الحذر المتبادل بين ديموقراطية صاعدة بقيادة الملك خوان كارلوس، ونظام الحسن الثاني الذي لم يطمئن في البداية للانتقال الديموقراطي الاسباني وقيادة الحزب الاشتراكي العمالي الاسباني بزعامة فيليبي غونصاليص للمعارضة، ودعمه الصريح آنذاك لجبهة البوليصاريو وللأطروحة الانفصالية. كان حينها الملك الحسن الثاني متوجِّسا من الانتقال الديموقراطي السريع الذي عرفته الجارة الشمالية، ومن تأثيراته المحتملة على المشهد السياسي المغربي، خصوصا بعد فوز الاشتراكي فرانسوا ميتيران في الانتخابات الرئاسية بفرنسا سنة 1981 وقبلها وصول الاشتراكيين إلى الحكم في ألمانيا و العديد من دول شمال أوروبا.

فوز الاشتراكيين الاسبان سنة 1982 بقيادة فيليبي غونصاليص زاد من حدة الحذر في العلاقات بين البلدين رغم تطورها وحميميتها بين الملكين خوان كارلوس والحسن الثاني، وكانت تصريحات بعض القيادات الاشتراكية حينها سببا في فتور العلاقات وتعثر التعاون بين الدولتين، وبالخصوص المتعلقة بدعم جبهة البوليزاريو ومحاولة الحكومة الاشتراكية الاسبانية كسب ود الجزائر وفك ارتباطها بمنظمة إيطا الانفصالية الباسكية التي جعلت بعض قياداتها من الجزائر مقرا و موقعا خلفيا لها.

لم يستمر هذا الوضع كثيرا، واستطاع الزعيم الاشتراكي الاسباني الشاب آنذاك أن يعيد الدفئ للعلاقات ببراغماتية لم تكن منتظرة، ورغم الدعم الذي استمر في صفوف حزبه للأطروحة الانفصالية استطاع أن يفك الارتباط تدريجيا بجبهة البوليساريو، وأن يجعل من المغرب هدفا استراتيجيا لسياسته الخارجية، والتقط الملك الحسن الثاني حينها الاشارة الاسبانية وتجاوب معها بترحيب استثنائي ، وانتقل  بها إلى مستوى الشريك المفضل بعد فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، وأصبح المغرب قبلة للزيارة الأولى لكل رئيس حكومة مباشرة بعد انتخابه، وتحوّل إلى تقليد التزم به كل رؤساء الحكومات الاسبانية المتعاقبة اليمينية منها والاشتراكية.

 

ماذا عن العلاقات المغربية الاسبانية بعد 20 سنة من تولي الملك محمد السادس عرش المغرب؟

التوتر والجوار الحذر* الذي يميز العلاقات المغربية الاسبانية يجد أسبابه المباشرة في الملفات الشائكة العالقة بين البلدين، من هذه الملفات التي توارت في السنوات الأخيرة، ملف المدينيتين المتنازع عليهما سبتة ومليلية، واللتان كانتا إلى وقت قريب موضوع مطالبة من المغرب خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة، كما كان ملف الصحراء موضوع خلاف وتوتر بين البلدين، والذي تراجع بعد تطور الموقف الاسباني من مساندة الأطروحة الانفصالية إلى موقف الحياد ومساندة الحوار والمفاوضات بين الطرفين، وعرفت العلاقات اهتزازات عديدة بسبب ملف الهجرة السرية الذي وصل إلى ذروته مع ما كان يعرف بقوارب الموت، لكن براغماتية رئيس الحكومة الاشتراكية آنذاك فيليبي غونصاليص والتحول في الموقف الاسباني في ملف الصحراء سهّل التفاهم بين البلدين والتنسيق الأمني بينهما  في موضوع الهجرة السرية والاجرام الدولي والارهاب لاحقا، وكانت من نتائجه قبول المغرب بتوقيع اتفاقية ثنائية يلتزم فيها باستلام المهاجرين المغاربة والأفارقة من دول ثالثة إذا ثبت عبورهم عبر الأراضي المغربية، وهي الاتفاقية الثنائية التي تم توقيعها من طرف وزير الداخلية المغربي آنذاك ادريس البصري والاشتراكي الاسباني خوصي لويس كوركويرا سنة 1992، كما تطور التعاون القضائي بين البلدين بتوقيع اتفاقية قضائية بين البلدين سنة 1998.

رغم تحسن العلاقات بين المغرب وإسبانيا مع فيليبي غونصاليص  واستمرارها مع أثنار ، ستعرف هذه العلاقات نقلة نوعية بعد تولي الملك محمد السادس للعرش سنة 1999, وباستثناء أزمة جزيرة ليلى سنة 2002، ستعرف العلاقات الثنائية تطورا هائلا مع صاباطيرو وراخوي.

تطورت العلاقات االسياسية بين البلدين في عهد الملك محمد السادس الذي توافق جلوسه على العرش تواجد اليميني خوصي ماريا أثنار على رأس الحكومة الاسبانية، لكن تصريحات وزير الخارجية الاسباني جوزيف بيكي سنة2001 متهما الدولة المغربية بضلوعها في تهريب المهاجرين أثارت غضب الملك المغربي الذي رد عليها بقوة في حوار مع مجلة لوفيغارو الفرنسية سنة 2001 منبها الوزير الاسباني أن زعماء مافيا الهجرة السرية يحملون جوازات إسبانية وحسابات في البنوك الاسبانية ، وكانت المرة الأولى التي دعا فيها المغرب سفيره عبدالسلام بركة للمشاورات قبل أن يعود إلى سحبه مع أزمة جزيرة ليلى في يوليوز 2002، والتي عرفت بعدها العلاقات المغربية الاسبانية فتورا غير مسبوق، وانخفض مستوى التعاون بين البلدين إلى حدوده الدنيا والضرورية.

بعد انفجارات مدريد سنة 2004 وعودة الاشتراكيين إلى الحكومة في إسبانيا استعادت العلاقات المغربية الاسبانية دفئها مدشنة مرحلة جديدة من التطور والتعاون سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي والتجاري، وانتقل حجم التبادل التجاري بين البلدين من 1800 مليون أورو سنة 1999 إلى 15.000 مليون أورو سنة 2018، أي تضاعف بمعدل .700% ومنذ سنة 2012 أصبحت إسبانيا الشريك التجاري الأول للمغرب الذي يعتبر حاليا الزبون الثاني للمغرب خارج دول الاتحاد الاوروبي بعد الولايات المتحدة الأمريكية. وأصبح المغرب في السنوات الأخيرة الوجهة الأولى للإستثمارات الاسبانية في إفريقيا حيث تستقر ما يقرب من 800 شركة إسبانية. وبشكل لافت انتقل المغرب من دولة مصدرة للهجرة إلى مصْدر للسواح، وارتفع عدد السواح المغاربة في إسبانيا إلى 700.000 سائح سنة 2018.

باختصار، انتقلت العلاقات المغربية الاسبانية خلال العشر سنوات الأخيرة من حكم الملك محمد السادس إلى مستوى يضاهي العلاقات المغربية الفرنسية، وأصبح المغرب شريكا استراتيجيا لإسبانيا في المجال الأمني والاقتصادي والتجاري، وانتقل التعاون بين البلدين في مجال الهجرة إلى مستويات غير مسبوقة مقابل التزام اسبانيا بالدفاع عن المصالح المغربية في الاتحاد الأوروبي والمطالبة بالمزيد من الدعم للدور الذي يقوم به المغرب في حماية الحدود الجنوبية لأوروبا ومنع تدفق الهجرة السرية القادمة من إفريقيا، كما انتقل التعاون إلى مجالات جديدة كمجال الطاقة المتجددة التي يراهن المغرب على الاستثمار فيه بقوة.

التطور الملموس والهائل للعلاقات المغربية الاسبانية يصطدم بإكراهات ملفات النزاع التاريخية بين البلدين، وباستمرار التماطل الاسباني في اتخاد موقف واضح من نزاع الصحراء، وبإكراهات الصورة النمطية التي يحملها الشعب الاسباني عن المغرب والمغاربة والتي تؤثر على مواقف الحكومات المتعاقبة خوفا من غضب الناخب. كما تفتقد هذه العلاقات إلى استراتيجية ثنائية على مستوى التعليم والثقافة تنتقل من الخطابات والتعبير عن النيات إلى رصد ميزانيات لتعزيز البحث العلمي والتبادل الثقافي والفكري.

تقديري أن البلدين يعيان جيدا أن حسن الجوار ومتانة العلاقة بينهما تعني الاستقرار والأمن في المتوسط، وأن المغرب  بوابة رئيسة للمتوسط  ومعبر لسياسة الاتحاد الاوروبي في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، وأن مستقبل هذه العلاقات أن تتطور نحو شراكة متقدمة بين الشعبين، وليس فقط بين الملكين والحكومتين.

أسئلة لا بدّ منها: هل الوضع الداخلي في المغرب يضمن استمرار هذه العلاقات وتطورها؟ هل حقق المغرب بالمقابل وخلال 20 سنة من حكم الملك محمد السادس مقومات الاستقرار السياسي والاقتصادي الكفيلة بتعزيز هذه العلاقات وتطويرها؟

*  كتاب “الجوار الحذر” للإعلامي المغربي الخبير في العلاقات المغربية الإسبانية نبيل دريوش. دار النشر سليكي أخوين ـ 2015

 

 

 

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *