ثريا إقبال.. “سليلة ابن عربي” التي ولجت عالم تصوف الأولياء وزواياه

عبد اللطيف أبي القاسم (ومع) 11:20 - 29 مارس 2016

في لقاء ثقافي احتضنته، مؤخرا، قاعة صغيرة ملحقة بمكتبة (كلير أفريك) بالعاصمة السنغالية دكار، وخصص لتوقيع كتب لمؤلفين مغاربة في إطار فعاليات الدورة السابعة لتظاهرة (كام تو ماي هوم) التي تنظمها مؤسسة ثقافات العالم، دعيت الكاتبة المغربية ثريا إقبال للحديث عن تجربتها الأدبية، في ما لا يزيد عن عشر دقائق.

وبلغة فرنسية أنيقة ممزوجة بمصطلحات عربية من قاموس “سادتنا المتصوفة”، تمكنت إقبال في ما لا يزيد عن عشر دقائق من أن تدلف بالحاضرين إلى عوالم تجربتها مع الكتابة الأدبية، وتغريهم بالاطلاع على سيرة امرأة على مشارف الخمسين من العمر كانت “تلهو ذات سنوات” في البحث في علم الاقتصاد، قبل أن “تفسد”عليها يد المتصوفة لهوها، وتملك عليها كيانها، ويتغير بها الحال، اضطرارا لا اختيارا، من علم الاقتصاد وخفاياه إلى تصوف الأولياء وزواياه.

طالبة في جامعة القاضي عياض بمراكش، كانت إقبال، وشغف البحث يحدوها وهي تحضر لأطروحتها لدكتوراه الدولة في موضوع إسهام ثلاثة من علماء الأندلس المسلمين في القرن الثاني عشر هجري، في تخصص الري وعلوم الزراعة، هم ابن العوام الاشبيلي وابن بصال الأندلسي وابن خير الاشبيلي، قبل أن تكتشف أن الثلاثة “تواطؤوا عليها” في الإحالة في كتاباتهم إلى الشيخ الأكبر، محيي الدين ابن عربي، وتجد نفسها وقد ولجت عالم التصوف من بابه الواسع، وغيرت لأجله موضوع أطروحتها التي حملت في ما بعد عنوان “اقتصاد الولاية وتدبير المقدس من خلال علوم الشيخ ابن عربي”.

وفي واقع الأمر، فإن هذا الانقلاب في حياة إقبال، كانت له مقدمات في صغرها، إذ تحكي لوكالة المغرب العربي للأنباء قصتها مع التصوف، وكيف كانت وهي طفلة تقطن مع أسرتها في منزل تقليدي بمراكش “مدينة الأولياء والعارفين بالله”، تستمتع بما تتلوه جدتها لأبيها- وهي تصوغ المجادل- من سور القرآن الكريم والدعاء الناصري والصلاة المشيشية، وشعر عبد الرحمان المجدوب، وعمر ابن الفارض وغيرها من أشعار لقنها لها أبوها تلقينا شفهيا.

هذه التلاوات إذ تنضاف إليها هندسة البيت التقليدي الذي يتوسطه فناء زرعت به شجرة فارعة الطول تربط أهل الأرض بمركز السماء “تركت أثرها في تكويني الداخلي، وانطبعت في قلبي وأنا بعد طفلة صغيرة، وأيقظت في أحاسيس جميلة”، تقول إقبال وهي تتذكر كيف كانت في صباها الجميل تنتظر أن يزورها طائر يأتيها ببشرى سارة كل يوم.

وعن قصتها مع شعبة الاقتصاد، تقول إقبال إنها كانت خلال دراستها في المستويين الابتدائي والإعدادي مولعة بكل ما هو أدب ولغة وإنشاء، ولا تحب مادة الرياضيات، وأنها كانت تود لو توجهت في الثانوية لدراسة الأدب أو التعليم الأصيل، لولا أن التصور الذي كان سائدا حينها يفضي إلى أنها شعبة يرتادها فقط من لا نصيب لهم في الذكاء.

تقول إقبال إن “إخوتي الثلاثة الذين سبقوني كلهم اختاروا الشعبة العلمية، وأنا لم أكن أحب الرياضيات، فوجدت نفسي في مأزق، ولهذا اخترت العلوم الاقتصادية وتمنيت على أبي أن لا يعتقد أنني غير ذكية”. وتواصلت مسيرة إقبال الدراسية بحصولها على شهادة الباكالوريا سنة 1981 أتبعتها بإجازة في العلوم الاقتصادية من جامعة القاضي عياض بمراكش (1985)، ثم بدبلوم للدراسات العليا، ودكتوراه السلك الثالث بالكلية ذاتها بأطروحة حول موضوع “النفوذ داخل المؤسسات”.

وحصلت إقبال أيضا على دبلوم كلية علوم التربية بجامعة محمد الخامس بالرباط، فتح لها المجال لمزاولة التدريس بمدينتها مراكش، وهي اليوم أستاذة جامعية في العلوم الاقتصادية.

ورغم تفوقها في دراساتها الاقتصادية، ترى إقبال أن كل تلك السنوات التي قضتها في هذا التخصص “لن أقول إنها فارغة، لكنها أخرتني إلى حد ما في الاتصال بعلوم الحقيقة والتصوف الإسلامي” التي باتت باحثة فيها، ولاسيما بعلوم الشيخ ابن عربي الذي تعتبر نفسها ابنة شرعية له، “حتى أبي كان اسمه العربي.. فأنا أعتبر نفسي ابنة العربي بشكل من الأشكال”.

تمتن إقبال في ولوجها لعالم البحث في التصوف أيضا لبعض الأصدقاء في مراكش، الذين نظموا أول لقاء سنة 1997 حول علوم محيي الدين ابن عربي، وكانت فرصة أن تلتقي مع مجموعة من الباحثين من يشتغلون في هذا المجال من مختلف الآفاق، لاسيما أنها تشتغل باللغة الفرنسية. ولإقبال مؤلفان في التصوف هما “أسماء الله الحسنى” الصادر عن دار النشر مرسم سنة 2014، و”بردة الصحراء” باللغة الفرنسية الذي أصدرته دار النشر (سيونس ساكري) بفرنسا سنة 2015.

لا تخفي إقبال إعجابها بما أنتجه المتصوفة عبر التاريخ من أدب وأشعار وبحوث، ولطالما بهرتها قدرتهم على صب عصارة تجاربهم الروحية من خلال كلمات محدودة.. “إن لمكتوباتهم نفسا صوفيا يرتقي بالكلمة العادية من استعمالها اليومي إلى مقامات روحية”. وعلى كثرة المؤلفات التي أثرت في مسارها في هذا المجال فهي لا تفتأ تشيد بكتابي “الفتوحات المكية” و”ترجمان الأشواق” لابن عربي، وأشعار الأديب الباكستاني محمد إقبال “الذي يتسم شعره بحساسية مفرطة ويقدم حلول إبداعية… لقد كان يحقق تناغما كبيرا في وصل هموم الأرض بوحي السماء”.

ترى إقبال في التصوف جوابا على إشكالية التعصب والتطرف وقتل الآخر التي باتت ترخي بظلالها في كل بقاع الأرض. فهؤلاء الشباب الذي يتمنطقون بالأحزمة الناسفة هم “شباب بلا أفق ولا رؤية ولا قضية يدافعون عنها.. وما يفعلونه باسم الدين لا علاقة له بالدين في شيء”. والمطلوب لجنة حكماء حقيقيين مستنيرين يتدراسون ما آلت إليه الأوضاع، ويهتمون ب”عمارة الكائن إضافة إلى عمارة الكون”.

وإضافة إلى كتاباتها في مجال التصوف الإسلامي، فإقبال شاعرة أصدرت دواوين عدة باللغة الفرنسية أساسا، من ضمنها “مقدمات أولية” (2003)، و”ومضات” (2007)، و(واحات) (فرنسا، 2011)، و”مشكال: نساء بين الثقافات” (المغرب 2012).

ولإقبال تجربة في الترجمة أيضا.. حيث ترجمت من العربية إلى الفرنسية دواوين شعرية عديدة منها ديوان ” اعتزال قلب” لمنعم الفقير (باريس 1999)، و”استسقاء طوفاني” لإدريس العمالي (الدار البيضاء 2001)، و”ورق عاشق” لفاتحة مرشيد (الرباط 2007). ومن الفرنسية إلى العربية ترجمت، على الخصوص، كتاب “لله الأمر” للكاتب أحمدو كوروما، الذي حاز جائزة كونكور لسنة 2001، و”فلسفة الزن.. رحلة في عالم الحكمة” لجون لوك تولا برييس.

ثريا إقبال امرأة سياسة أيضا، فهي نائبة برلمانية، وعضوة لجنة الثقافة والاتصال والتعليم بمجلس النواب مند نونبر 2011.. تقول “لم أسع سعيا إلى ولوج الساحة السياسية لكنها بالنسبة لي تجربة رائعة.. والسؤال الذي يشغلني هو كيف نتمكن من جعل العقلية المجتمعية تواكب التسارعات الكثيرة في مجال التشريع”.

كما تشغل إقبال منصب رئيسة لجنة العمل الثقافي بجهة مراكش -آسفي منذ شتنبر 2015، وهي أيضا عضو جمعية “منية مراكش لإحياء وصيانة تراث المملكة المغربية” التي تنظم سنويا مهرجان مراكش الدولي للقاءات و الموسيقى الصوفية، وعضو مؤسسة “ذاكرة مراكش”، و عضو مؤسسة “ديوان الكتبية: حدائق المعرفة” التي تعنى بحرف الكتاب و الكتبيين. تؤمن إقبال أن الصناعات الثقافية يمكن تكون مدخلا قويا للنمو والتقدم والاقتصادي، وترى في مؤهلات المملكة الثقافية وغنى تراثه عوامل تنافسية يجب الاستثمار فيها لخلق فرص الشغل والثروة.

باحثة في التصوف الإسلامي وشاعرة ومترجمة وسياسية وفاعلة جمعوية، كلها تخصصات تثابر إقبال على خوض غمارها والتوفيق بينها وهي على مشارف الخمسين من العمر.. تقول إقبال إن هذه المثابرة التي يغبطها عليها كثيرون لم تكن لتكون لولا تلك الطفلة التي ما زالت حية بداخلها يحدوها الأمل في المستقبل الجميل وتبحث عن السعادة في غرفة في الدار، وتنتظر طائرا يأتيها بالبشرى السارة كل صباح.

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *