عمي وشكري

سميرة مغداد 13:02 - 17 نوفمبر 2021

عرفت الكاتب الراحل محمد شكري رحمه الله، بداية التسعينات وأنا بعد شابة حالمة بدنيا الإعلام في رحاب مكتب الشرق الأوسط بالرباط .

أول مرة التقيته بالمكتبقدمني له صديقاي محمد بوخزار وحاتم البطيوي على أني ريفية طنجاوية”غاوية كتابة”، ففوجئت لأول وهلة بنوع من الخجل والأدب يغمر شكري ، كنت أعتقد أنه سيكون جريئا صاخبا  كما كتاباته ،وشاءت الأقدار أن أتواصل معه في أكثر من مناسبة ، وألتقي به في لقاءات ثقافية بالرباط.

ثم كان لي شرف لقائه التاريخي  من خلال حوار مطول معه على صفحات مجلة سيدتي في ظروف خاصة لايسع الحديث عنها في هذا المقال ،لكن أبرز ماعلق بذاكرتي فترة مرضه وإصابته بالداء الخبيث،بصمتني هذه الفترة جدا من حياة شكري ،كان رائعا في التعامل مع أزماته الصحية،ظل شامخا ومرحا حتى آخر لحظة في حياته.

أذكر أنه كان  لايستقبل أي كان لزيارته في المستشفى،كان يختار تقريبا من سيزوره ، كريما في الترحاب بالأصدقاء الإيجابيين، كان يرفض بأن يرى الشفقة في عيون الاخرين،  لا يرحب أبدابالاشخاص المتوترين القلقين الذين يعكرون عليه صفو جوه الخاص.

كانت  زيارتنا له في المستشفى لحظة تواصل جميل معهبقفشاته ومرحه ونكاته،وحتى  تصويره لمواقف بعض الناس الذين ينفر من لقائهم بسبب بؤسهم كما كان يقول في التعامل مع المرض،حتىتصورت شخصيا أن المرض لن ينال من شكري  ابدا.

صادف مرض شكري خبرا صادما لنا جميعا في العائلة وهو مرض عمي المهندس عبد الله مغداد ،كان النبأ زلزالا قويا في حياة أسرتنا بأكملها. ولعلني اقتربت من عمي اكثر في هذه الفترة وبدأت  أحكي له باستمرار عن شكري ومدى إقباله على الحياة ودعاباته التي لا تنتهي لأحثه بطريقة غير مباشرة على التفاؤل والأمل ..كنت أقول له أن شكري الذي كنت اتردد عليه في المستشفى العسكري ،بخير ومعنوياته مرتفعة جدا ويتعافى تدريجيا.

كنت أعي بجديةأن روح شكري الجميلة ستتغلب على المرض، وسيغير وجهة القدر نحو مزيد من الحياة، وأذكرأيضا أنه في تلك الفترة كان الفنان أحمد زكي يعاني من نفس المرض ،وكان يرفض هو الآخر التواصل إلا من عدد قليل جدا من الاصدقاء.

عمي كان قارئا نهما وعلى طاولته دائما عناوين صحف ومجلات محلية وعالمية ،حتى في ذروة مرضه كان يقرأ، كما أنه كان يحب  أن يلتحم  أكثر مع من يحب ويتواصل مع عائلته الصغيرة ولايقبلأن يستقبل القلقين والمنافقين.كنت كلما زرت شكري الذي سبق عمي للمرض أطمئن على عمي وأقول مع نفسي عمي  سيعيش وسيشفى ،لم  أشعر  للحظة أن معاناة شكري كانت صعبة جدا. في إحدى الزيارات له في أيامه الاخيرة ،  قال لي شكريبمرحه الصاخب صادحا بنبرة صوت قوي في غرفته ” ألالا سميرة يوم عشنا متنا” .ومناسبة العبارة أنه تلقى عرضا من منتج إيطالي لتحويل رواية” الخبز الحافي” لفيلم سينمائي.ولا أنسى أبدا يوم اتصالي  به عبر الهاتف للسؤال عن أحواله ،رد علي بمرح عال أنا بخير وكلشي مزيان اسمعي جيدا كيف أتنفس”، وبدأ يأخذ نفسا طويلا ويزفر وأنا أضحك وأتمنى له الشفاء.

 يوم مات شكري صدمت وحزنت كثيرا.. أخفيت الخبر على عمي ،كنت أشعر بالحزن على رجل جميل وإنسان صادق شفاف قبل الكاتب الذي كان .. لقد أبدع شكري حتى في توديع الحياة ببسمة وتفاؤل لم ينضب.

أدركت يوم موته انه خدعنا ، لم يشأ أن نبكيه وهو مازال يستنشق الحياة ويتمتع بأويقاتها المتبقية .ذات مرة دخلت على عمي ليصيح بكلام أشبه بالتهكم قائلا “أ سميرة  شكري مات”،ابتسمت في وجهه وقلت أعرف استوفى أجله. ولكني أدركت أن عمي كان يقول لا أمل مع السرطان وساعتي اقتربت. عمي كان معجبا بشكري وبجرأته في الكتابة عن وجه من أوجه واقع الريف المشترك .

مات عمي بعد بعد عام بالضبط من وفاة شكري في نفس شهر نوفمبر ونفس  التاريخ تقريبا،.عمي قد لا يشبه شكري بتاتا، لكنهما معا ماتا بكرامة فريدة .عمي مات واقفا أسقطه قدر الموت المحتوم ،ظل شجاعا عزيز النفس  لايتباكى ولا يشتكي  معتزا بمبادئه حتى آخر لحظات وفاته التي تنبأ لها وأعد الجميع لوداعه بسلام.

عمي وشكري كانا متشابهان في قوة مجابهة الموت وتمرير رسائل الكرامة والإقبال على الحياة مهما حصل.الحياةتستمر.. لن أنس ماحييت كيف ودع شكري وعمي الحياة..كانا معا 

 في منتهى  الرقي والعنفوان. رحمهما الله

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *