فيلم نبيل عيوش “عَلّي صُوتَكْ”فيلم متواضع !

عبد اللطيف البازي 11:35 - 23 نوفمبر 2021

وصل فيلم   للمخرج المغربي نبيل  عيوش “عَلَّي صُوتَكْ”   إلى القاعات السينمائية محاطا بهالة استثنائية، فقد اختير  ضمن المسابقة الرسمية للدورة  74من مهرجان “كانْ” التي أقيمت في ماي 2021، أي أنه نال ثقة مبرمجي أحد أهم المهرجانات السينمائية العالمية. فما هي يا ترى أسباب نيله لهذه الحظوة؟

الأطروحة الأساسية التي يدافع عنها فيلم  “”عَلَّي صُوتَكْ” هي أن  الفن  بمقدوره أن يكون سلاحا وأداة في مواجهة الانغلاق والتجهم، وأن يكون وسيلة من وسائل التعبير عن التمرد والرغبة في التفتح،  خاصة إذا كان هذا الفن مرتبطا بأشخاص هامشيين يعيشون على هامش المجتمع ويحلمون ويريدون  بقوة  اقتسام أحلامهم مع الآخرين.  ويدافع الفيلم كذلك عن أطروحة ثانية  مفادها  أن الإنسان بإمكانه أن يواجه  لوحده مختلف الصعاب وأن يطوعها لإرادته وأن يخلخل البنيات الثابتة والصدئة لينجح في تحقيق مراده. وتنزيلا لهاتين الأطروحتين، يحكي الفيلم كيف أن  كائنات هشة، لكن عنيدة، التفت  حول أنس مدرس الموسيقى بمركز “نجوم سيدي مومن” الواقع  بالتحديد بحي سيدي مومن بالدار البيضاء والتابع لمؤسسة علي زاوا. والتجربة اندرجت ضمن برنامج “المدرسة الإيجابية ” الذي أشرف عليه المدرس آنس نفسه.  وهذه المعطيات الأخيرة هي معطيات حقيقية يمكن التحقق من صحتها، مما يجعل الفيلم في جزء كبير منه ذي صبغة وثائقية وتسجيلية، إذ أنه سجل طموحات مجموعة من الشباب والمراهقين والمراهقات وسجل  حواراتهم الصادقة والطازجة والساذجة أحيانا، كما أنه نقل تمزقهم بين واقع قاس وعدواني وبين إمكانيات شحيحة وأحلام عريضة، كما صور كيف أن أنس، بإمكانات هزيلة وبإرادة فولاذية، استطاع أن يشيع جوا من الفرح والتفاؤل بين هؤلاء المراهقات والمراهقين ويتعهد كبرياءهم  ويجعلهم ينظرون أحيانا إلى أنفسهم في المرآة ويحثهم على أن يثقوا في أنفسهم وفي المستقبل وأن يتخلصوا من فكرة ان مصائرهم محددة سلفا حتى أنه جعل هؤلاء المراهقين يبدون في الفيلم أكثر إبداعية وكرما وجرأة من الراشدين رغم أن الفيلم يصورهم في حالة من سوء تفاهم مرير مع مجتمعهم  إلى درجة  تجعل المتلقي يشعر تجاههم بالشفقة: ففي أسرهم تجد  الأم مريضة والأب مغلوب على أمره والأخ متشدد والإضاءة في المنزل قاتمة.  

لقد تمسك هؤلاء الشباب بحقهم في “خلوة فنية” يكسرون فيها أغلالهم غير المرئية وينتهكون رمزيا بعض الطابوهات ويحلمون ولا يتوقفون عن الحلم، وليصبحوا، عن غير  وعي، مريدين للمدرس أنس،  “الشيخ” الوسيم، ذي الكاريزما الذي يلبس سروال  جينز ويعلمهم أبجدية الفن وأبجدية موسيقى “الهيب الهوب ” و”الراب” و يدافع عن “هيب هوب”  ملتزم يساعد على التشبث بالحرية  ويحضهم على الغناء والرقص  وإبداع نصوص صادمة وارتجال نصوص الهيب هوب و “سْلام”  وكسر الأسقف الزجاجية، ويعطيهم كمثال على إمكانية تجاوزهم لوضعهم المحجوز حالة رجل زنجي يدعى باراك أوباما وصل إلى سدة الحكم بالولايات المتحدة الأمريكية وكانت موسيقى الراب والهيب هوب من ضمن عوامل نجاحه. إن أنس يريد أن ينقل معرفة ويقتسمها مع هؤلاء الشباب  هو الذي لا نعرف عنه  سوى انه مر بتجربة مريرة مما جعله يبكي عند تذكرها في إحدى اللقطات، وأنه يقطن في سيارته.  لكن ذلك لم يمنعه من أن يواصل مهمته و”دعوته” التي جعلت الفيلم أحيانا يقترب من أفلام الواقعية الاشتراكية التي توجه وتحدد مسارات الشخصيات منذ البداية، ومن خطابات الوعظ والتوجيه المباشر، ويتسم  ببعد تعليمي صارخ وأحيانا فج، ويختار أن يكون موجها أساسا لليافعين والشباب وليس  للسنيفليين عاشقي المتعة السينمائية، مما جعله يعج بالمرافعات  الصاخبة والبسيطة، والمملة في بعض الأحيان، بما أنه يعتبر أن للفن دور توعوي وتحريضي، ويحرض هؤلاء الشباب على رفع صوتهم أساسا.

إن هذا الفيلم يصور مواجهة  خفية أحيانا ومعلنة أحيانا أخرى بين معسكرين بطريقة  غنائية واستعراضية مما يذكرنا بالفيلم  الأمريكي ”  West side story قصة الحي الغربي”  (1961)، لكن المواجهة  في الفيلم المغربي ليست بين حارتين، بل بين معسكر المتنورين ومعسكر المتشددين. حيث نجد هؤلاء الأخيرين  أيضا  يرقصون ويطلقون العنان لأجسادهم دون أن يتخلوا عن تجهمهم بعد أن شاهدناهم يفترشون الأرض في الشارع العام لتأدية صلواتهم وهم منتشون بأعدادهم الغفيرة.

إن الكاميرا تتبع حركات الممثلين وتقترب من ملامحهم وتنقل عواطفهم بلقطات مقربة في فضاءات أغلبها مغلق مما يفرض الالتصاق بالممثلين ويعطي لأدائهم مسحة مسرحية.

ويحدث لدى مشاهدة هذا الفيلم للمرة الأولى أن تشعر بأنك قد شاهدته من قبل، أي ما يسمى بالفرنسية du déjà vu ، حيث نجد  مثلا في مشهد نهاية الفيلم إشارة واضحة لفيلم “حلقة الشعراء المفقودين” (1989) حينما رفض تلاميذ المدرس كيتين أن يتركوه يستسلم فيقفوا فوق الطاولات اعترافا  له بالجميل، وكان هذا المدرس قد  اتخذ هو أيضا  من الشعر معبرا للتواصل مع تلاميذه، و أوصاهم بأن يحلموا وأن يكونوا أحرارا، وأكد لهم أن الحياة احتفال، وأن للحقيقة نسخ متعددة. وفي فيلم نبيل عيوش يصعد المراهقون  إلى سطح  المركز ولا يتوقفون عن الغناء والرقص ويعدون أستاذهم أنس بأنهم سيواصلون المسير رغم رحيله. كما أن هنالك أكثر من نقطة تقاطع بين فيلم “علي صوتك” و فيلم ” ذهنيات  خطرة” (1996)، وخاصة تلك العلاقة المتميزة التي تجمع المدرسة مع تلامذتها في الفيلم الأمريكي الذي يحكي قصة مدرسة شابة التحقت بمؤسسة تعليمية بها قسم مخصص للهامشيين السود ودوي الأصول اللاتينية، وبدأت تقترب من هذا العالم وتتعرف على ميزاته وتناقضاته، وتصغي إلى توترهم وتكتشف قسوة الحياة التي يعيشونها. وربطتهم بتعبير فني راق، هو الشعر. وهي نفس العلاقة التي جمعت أنس بتلامذته وجعلتهم ينفتحون على قارة الإبداع. على أنه إذا كان الثالوث المحرم  قد تم تحديده في عناصر ثلاثة هي السياسة والدين والجنس، فإن نبيل عيوش قد حرص على عدم الاقتراب من العنصر الثالث مما جعل فيلمه ذا منحى طهراني لا محل فيه لأن يعجب فتى بفتاة أو تنجذب فتاة  نحو زميل لها.

 و فيلم  “عَلَّي صُوتَكْ”  تربطه علاقات وثيقة بأفلام نبيل عيوش السابقة، مثل  فيلم “علي زاوا” (2000)  الذي يلتقي معه في الاعتماد على ممثلين غير محترفين وتصوير عوالم القاع، وفيلم “لولا” (2007) الذي يتمحور هو الآخر حول فكرة أن الفن قد يمثل الخلاص من اليأس والضجر، مما جعل الشابة الأمريكية   لولا تفرض حيوتها وحضورها ورقصها المتلعثم، وصمدت أمام المنافسة الشرسة بملهى ليلي قاهري مستندة على خبرة وصداقة راقصة مصرية مبدعة توارت عن الأضواء مكرهة كما وقع للمدرس أنس. كما أن هناك إشارة أكثر من واضحة  لفيلم “يا خيل الله ” (2012)الذي تجري وقائعه في نفس الحي الذي يقع فيه المركز  الثقافي نجوم سيدي مومن، حيث نشعر بالحضور اليومي والضاغط  للتطرف، وتحضر نفس  الأزقة المتربة و مدن القصدير البئيسة  التي تعرفنا عليها في هذا الفيلم وفي فيلم  “الزين اللي فيك” (2015)كذلك.

ويتمحور الفيلم حول   ثنائية  أساسية هي ثنائية الحقيقة والخيال والحدود الفاصلة بينهما في الوقائع المقترحة علينا، خاصة حينما نعلم أن المراهقين والمراهقات  الذين لعبوا في هذا الفيلم يمثلون حيواتهم نفسها، وقد نتساءل عن الدور الذي ستلعبه تجربتهم السينمائية هاته في تغير مصائرهم ونتساءل: هل هناك   بالنسبة إليهم حياة بعد “علّي صُوتَكْ”؟ .

إن بنية فيلم “علي صوتك”  هي بنية  كلاسيكية من حيث انضباطها للحظات الثلاث المعروفة: لحظة العرض ولحظة الذروة ولحظة الحل. هو محكي تعلم  فيه خفة وطراوة تكاد تصبح سذاجة، وتحكمه نظرة تبسيطية لظواهر معقدة كوضع الفن في مجتمع مرتبك مثل المجتمع المغربي، وتربطه علاقة متوترة بالحداثة ومنتوجاتها الفكرية والفنية، كما أن الفيلم يندرج ضمن سينما الحقيقة باعتماده على تلقائية الممثلين غير المحترفين واهتزازات الكاميرا والتأطيرات غير الدقيقة والانتقالات الفجائية للكاميرا ولقطات مكبرة تنقل الإحساس بالعجز والقلق وكذا الفرح. ومن الواضح أن المخرج يرغب في الوصول إلى الجمهور الواسع فاستثمر موسيقى الهيب هوب والراب والرقصات الاستعراضية  بإسهاب لهذا الغرض.

وتأسيسا على كل ما سبق نقول إن مهرجان كانْ  لن يرهبنا ولن يخرسنا باختيارته، وسنعلي صوتنا لنستنتج أن فيلم “علي صوتك” رغم انحيازه اللفظي للحرية وانتصاره للفن، فإنه فيلم متواضع وينقصه  الكثير من العمق والجرأة ويقول أنصاف الحقائق وتم تصوره على منوال نماذج مكرسة أو سبق للمخرج نبيل علوش توقيعها.

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *