ليلة‭ ‬سقوط‭ ‬تازة أو “مدينة‭ ‬الميعاد” كما سماها ضابط فرنسي

بتصرف عن مجلة "زمان"‬ 14:05 - 29 ديسمبر 2015

كانت مدينة تازة، بالنسبة للفرنسيين، من الأهمية بما كان لتحقيق حلم الإمبراطورية الفرنسية في شمال إفريقيا. لقد كانت، كما وصفها أحد الضباط، الذين قادوا الحملة، “مدينة الميعاد”.

كان الأعوان العسكريون للمقيم العام الجنرال ليوطي يحلمون، منذ سنة 1911، بالقيام بحملة عسكرية كبرى تمكنهم من اختراق تازة وربط المغرب الأطلسي بالمغرب الشرقي والجزائر، وذلك لتحقيق حلم الإمبراطورية الفرنسية في شمال إفريقيا.

14

بل أن الفرنسيين بأن اكتساح المغرب لن يتم دون الاستيلاء على ممر تازة، الشريان الحيوي والموقع الاستراتيجي الهام الذي لن تتمكن فرنسا من تحقيق أهدافها العسكرية والسياسية والاقتصادية بالمغرب دون السيطرة عليه.

كما كانت ضرورة السيطرة على ممر تازة تنبعث أيضا من أهمية خصائصه الطبيعية والبشرية ومقوماته الاقتصادية. فمن الناحية الطبيعية مثلا، يشكل الممر نقطة التقاء بين مجالين طبيعيين والمتمثلين في المجالين الأطلسي والريفي. فضلا عن ذلك يتميز الممر بتضاريس صعبة، شكل وسيلة فعالة من وسائل المقاومة الذي استغلته القبائل كآلية دفاعية مهمة، وأحسنت استغلاله لتعويض نقص التسلح، إذ منحها إمكانية إعادة تنظيم صفوفها، وتنظيم هجماتها المفاجئة والاحتماء بالمرتفعات في إطار ما يعرف بحرب العصابات، وهو ما جعلها تستنزف قوات المحتل وتربك مخططاته وتكتيكاته رغم تفوقه العسكري.

15401t10

وتبقى الأهمية الاقتصادية لهذا الممر مسألة حاضرة في مخطط الاحتلال الفرنسي، فالسيطرة على تازة تعني قطع مصادر التموين وموارد المياه عن القبائل المجاورة وخصوصا غير الخاضعة منها، علما أن تازة كانت تتحكم في الطرق التجارية القادمة من المناطق الغربية وغيرها، ومنها تنطلق القوات الفرنسية لإتلاف المحاصيل والسيطرة على الموارد المائية، كما أن تازة كانت تعتبر مركزا نشيطا لترويج السلع المهربة وخاصة الأسلحة والذخيرة، مما يمكن القبائل المجاورة من التزود بما يحتاجون إليه.

شكلت المعطيات والخصائص البشرية لهذا الممر أحد ركائز مخطط الاحتلال للسيطرة على المنطقة، فهو يشهد تعايش قبائل أمازيغية وعربية (بني وراين، التسول، غياثة، البرانس)، وهي قبائل شديدة المراس تتميز بعنادها وضراوتها الحربية الفائقة، وشكلت عائقا أمام بلورة المشروع الكولونيالي، وهو ما دفع برجالات التنظير الاستراتيجي إلى التركيز على ضرورة تطويع واحتواء هذه القوة البشرية، وذلك بدءًا بدراسات سيكولوجية للساكنة المحلية كوسيلة يمكن استغلالها لتفكيك وإضعاف التحالف بين القبائل واللعب على تناقضاتها كوسائل مكملة للعمل العسكري.

لهذه الاعتبارات وغيرها، أصبحت تازة من بين الأولويات المسطرة في أجندة السلطات الفرنسية التي شرعت في إخضاع هذا الممر وفق خطة استعمارية محكمة، تقوم على أساس السيطرة على المناطق بأقل ما يمكن من التكاليف.

بعد سنة 1913، التي كانت سنة للتوغل الاقتصادي والمعنوي  وعرفت تواضعا من الناحية العسكرية، قرر ليوطي بعد جولة قام بها في المغرب الشرقي ابتداءً من 2 فبراير 1914 الاستعداد للتقدم نحو تازة من ناحيتي الشرق والغرب على شكل كماشة، وقد تم تطويق وحصار المدينة من كل الجهات، فمن الجهة الغربية انطلقت القوات الفرنسية من تيسة مستعملة كل وسائل الدمار خاصة الطائرات، أما من الناحية الشرقية فقد انطلقت من قصبة مسون، وقد تمت عمليات الزحف ما بين 8 و10 ماي حتى دخلت جيوش بومكارتن مدينة تازة بدون عمليات كبيرة ودون مقاومة حقيقية.

محطة شارع مولاي ويسف

 

في 17 ماي 1914 دخل الفرنسيون وعلى رأسهم ليوطي مدينة تازة بشكل رسمي، ورفعوا العلم الفرنسي في وسط احتفال كبير وفرحوا بهذا الإنجاز الذي طالما انتظروه، وهو ما يصفه القبطان كوسان بقوله “لقد ارتفع العلم ذو الثلاثة ألوان على برج المدينة القديمة (…) إنها لحظات مؤثرة لا تنسى لأنها تؤرخ لمرحلة من أحسن المراحل في تاريخنا الاستعماري، لقد أصبح المغرب والجزائر منظمين الآن (…) إنها بالفعل تازة مدينة الميعاد”.

 

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *