ممارسة الحق في تقديم العرائض وسؤال الديمقراطية التشاركية

يونس قريفة و م ع 11:15 - 5 فبراير 2021

في إطار المستجدات التي جاء بها دستور 2011، من أجل تعزيز آليات الديمقراطية التشاركية ودور المواطنين في تسيير شؤونهم والتأثير المباشر على سير الحياة العامة، تم التنصيص على الحق في تقديم عرائض إلى السلطات العمومية.

ويعتبر هذا الحق من أهم المكتسبات الدستورية، حيث يشكل وسيلة مبتكرة للتعبير عن مطالب وهموم المواطنين مع وجود ضمانة قانونية تمنحهم حق الحصول على جواب رسمي من الهيئات المعنية.

وهكذا، ينص الفصل 15 على أن “للمواطنات والمواطنين الحق في تقديم عرائض إلى السلطات العمومية. ويحدد قانون تنظيمي شروط وكيفيات ممارسة هذا الحق”. ويحدد القانون التنظيمي رقم 44.14، الذي عرف العريضة بأنها “كل طلب مكتوب يتضمن مطالب أو مقترحات أو توصيات، يوجهه مواطنات ومواطنون مقيمون بالمغرب أو خارجه إلى السلطات العمومية المعنية، قصد اتخاذ ما تراه مناسبا في شأنه من إجراءات في إطار احترام أحكام الدستور والقانون”، شروط وكيفيات ممارسة الحق في تقديم العرائض إلى السلطات العمومية.

وبحسب هذا القانون التنظيمي، يجب أن يكون الهدف من العريضة هو تحقيق المصلحة العامة، وأن تكون المطالب أو المقترحات أو التوصيات التي تتضمنها مشروعة، وأن تحرر بكيفية واضحة، وأن تكون مرفقة بمذكرة مفصلة تبين الأسباب الداعية إلى تقديمها والأهداف المتوخاة منها، وكذلك أن تكون مشفوعة بلائحة دعم العريضة، تضم 5000 توقيعا على الأقل.

ولا تقبل العريضة إذا خلت بمبدأ استمرارية المرافق العمومية، وبمبدأ المساواة بين المواطنات والمواطنين في الولوج إلى المرافق العمومية، أو حين تكتسي طابعا نقابيا أو حزبيا ضيقا أو طابعا تميزيا، أوحين تتضمن سبا أو قذفا أو تشهيرا أو تضليلا أو إساءة للمؤسسات أو الأشخاص، بحسب ما ينص عليه القانون التنظيمي (44.14).

وللنظر في العرائض المقدمة، والتحقق من استيفائها للشروط المنصوص عليها، نص المشرع على إحداث لدى كل سلطة عمومية (رئيس الحكومة أو رئيس مجلس النواب أو رئيس مجلس المستشارين) لجنة للعرائض، تبدي رأيها وتقترح الإجراءات التي تراها مناسبة في شأن العرائض المقبولة.

وقد تم إلى غاية اليوم، تقديم ما مجموعه سبع عرائض إلى مختلف اللجان المحدثة (بحسب قائمة العرائض المتوفرة على البوابة الوطنية للمشاركة المواطنة www.eparticipation.ma)، تم التفاعل إيجابيا مع واحدة منها ويتعلق الأمر بالعريضة التي اشتهرت باسم “عريضة الحياة”، حيث تم اقتراح عددا من التدابير همت الجانب المؤسساتي واستراتيجية الوقاية والعلاج من مرض السرطان، والجانب المتعلق بالكشف المبكر عن المرض، والجانب المتعلق بالأدوية، وكذلك الرعاية التلطيفية والجانب المتعلق بالعدالة المجالية، وحق الولوج للتشخيص والعلاج، وتدابير تهم التمويل المخصص لمعالجة المرض.

وأمام هذه الأرقام المتواضعة، يظل السؤال مطروحا حول مدى قدرة تفعيل الحق في تقديم العرائض وعمل لجان العرائض في تعزيز الديمقراطية التشاركية، والنهوض بدور المواطنين والمواطنات في تسيير شؤونهم والتأثير على العمل العمومي.

وفي هذا الصدد، يرى أستاذ القانون العام بجامعة محمد الخامس بالرباط، عبد الحفيظ إدمينو، أن تقييم أداء لجان العرائض لابد وأن يرتبط بمعالجتها للعرائض التي توصلت بها. فمثلا، بخصوص لجنة العرائض بمجلس النواب، كان من المفترض أن تبدأ الانطلاقة الفعلية لهذه اللجنة بعد ملاءمة النظام الداخلي لمجلس النواب مع الدستور والقانون التنظيمي المتعلق بالعرائض، إلا أن الواقع أثبت محدودية هذه العرائض وأظهر بالفعل أن هناك خللا في مسلسل إعداد ووضع العرائض، خاصة أمام مجلس النواب.

وأضاف إدمينو، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، أن هذا الأمر جعل اللجنة تقوم بتنظيم العديد من اللقاءات الوطنية وكذا الاطلاع على التجارب المقارنة سواء من خلال زيارة البرلمانات ذات التجربة في هذا المجال أو تنظيم لقاءات حضارية وافتراضية عرفت مشاركة العديد من الخبراء مكنت من الاطلاع على الممارسات الفضلى في هذا المجال.

وسجل الأستاذ الجامعي أنه من خلال مختلف اللقاءات التي عقدتها اللجنة والتوصيات الصادرة عن ذلك ومن خلال الأدبيات التي أنتجتها جمعيات المجتمع المدني يبدو أن الشروط التي حددها القانون التنظيمي (44.14) تشكل عائقا أمام تفعيل هذا الحق سواء فيما يتعلق بعدد التوقيعات المطلوبة أو الوثائق المرفقة أو من خلال اشتراط التسجيل في اللوائح الانتخابية.

وأشار إلى أنه من خلال التوصيات التي تقدمت بها اللجنة والتي على أساسها تم إعداد مسودة مقترح قانون، يبدو أن هذه القضايا شملت جوهر التعديلات المقترحة.

وشدد إدمينو على أن لجنة العرائض هي لجنة تقنية لا تقوم إلا بالتأكد من احترام العرائض للشروط التي يتطلبها القانون التنظيمي الخاص بالعرائض، إلا أن مساهمتها الفعلية في تطوير الديمقراطية التشاركية يمكن أن تتم من خلال استثمار مهامها وخبرتها في تنظيم اللقاءات الدراسية وتقديم التوصيات اللازمة لتطوير التشريع المتعلق بتنظيم حق تقديم العرائض بالمغرب.

وهكذا، يظل التفعيل الحقيقي لحق تقديم العرائض رهينا بتضافر جهود جميع الفاعلين وانخراط المواطنين، لتمكين هذه الآلية الدستورية من الاضطلاع بدورها الكامل في تعزيز الديمقراطية التشاركية بالمملكة.

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *