هل يستحق الفنان أحمد السقا جائزة الإنجاز الإبداعي ؟

فؤاد زويرق 18:32 - 21 أكتوبر 2021

عندما يُكرم مهرجان سينمائي ما ممثل ما فهو يكرمه لإبداعه ومساره الفني وماقدمه للسينما وما أضافه لها، مهرجان الجونة كرم الفنان أحمد السقا في دورته الحالية ومنحه جائزة الإنجاز الإبداعي “اعترافًا بمسيرته السينمائية الاستثنائية ومساهمته في مشهد صناعة السينما المصرية التي تمتد لأكثر من عقدين” حسب ما جاء في بلاغ إدارته.

جميل، لكن هل يستحق الفنان أحمد السقا فعليا هذا التكريم في واحد من أكبر وأهم المهرجانات المصرية والعربية، شخصيا لا أجد أي داع لتكريم هذا الفنان ومنحه جائزة الإنجاز الإبداعي لأني لا أجد أي إنجاز ولا أي إبداع في مسيرته ، اللهم إلا إذا كان هذا الإنجاز هو التراكم الذي حققه طيلة سنوات عمله، ولا أظن أن التراكم أو الكم يُأخذ به في التكريمات والجوائز على حساب الكيف، الفنان أحمد السقا هو ممثل -ولا أقول مشخص فشتان بين هذا وذاك- نمطي في كل أعماله، يعيد نفسه ويكرر أداءه حتى تماهى جمهوره مع حركاته وتعابيره وانفعالاته… فكل حركة من حركاته أصبحت محفوظة ومتوقعة مسبقا فكل الشخصيات التي أداها تصب في وعاء شخصيته هو وليس شخصية الفيلم المراد لعبها، فحتى في حواراته التلفزية تكتشف أنه هو نفسه في أعماله الفنية، وهذا عيب ونقص في الفعل الإبداعي، والنمطية لا تُحسب إطلاقا على الإبداع …

قد يقول قائل، لكنه نجم و له معجبون كثر، صحيح، لكن علينا أن ندرك بأن النجم ليس مبدعا بالضرورة، فهو لم يحصل على الجائزة بسبب نجوميته، فالجائزة سميّت ب “جائزة الإنجاز الإبداعي” وليس ب”جائزة النجوم” أو “جائزة الإنجاز النجومي”، فالإنجاز الإبداعي هنا يخص الممثل المبدع وليس الممثل النجم، وكلنا نعرف كيف تصنع النجوم، وكلنا أيضا نعرف بأن لكل نجم عمر فني افتراضي وبعدها سيختفي ويموت فنيا، بخلاف المُشخص الحقيقي الذي يتنفس إبداعا، فلا يختفي ولا يموت بفضل موهبته وإبداعه المتجدد في كل عمل حتى لو كان مشهدا واحدا فقط، ولا أظن أن الجمهور سيتذكر أعمالا رُشمت في ذاكرته لأحمد السقا بخلاف تيتو والجزيرة وابراهيم الأبيض وكلها افلام مخصصة للشباك بالدرجة الاولى، ورغم ذلك لن تجد فيها أحمد السقا آخر بل هو نفسه كما عهدناه في باقي أفلامه، ولولا بعض الممثلين المبدعين الحقيقيين الذين شاركوه هذه الأعمال وغطوا على نقصه كمحمود عبدالعزيز وخالد صالح وهند صبري وغيرهم، وكذا حرفية مخرجيها كشريف عرفة ومروان حامد لما تركت انطباعا جيدا لدى المُشاهد ولا تذكرها أصلا.هذا على المستوى الإبداعي لكن على المستوى الثقافي والمعرفة الفنية، فما تفوه به أحمد السقا في كلمته أثناء تكريمه، يدل على أنه من كوكب فني آخر بعيد عن الكوكب الفني المصري، فكيف لفنان سينمائي كيفما كان أن يربط الإبداع السينمائي بالتكنولوجيا ويقول إن السينما منذ سنة 1967 إلى 1997 كان “خلقها ضيقا” أي أن السينما الحقيقية لم تتكشف ولم تنطلق انطلاقتها الحقيقية إلا مع فيلم “إسماعيلية رايح جاي” الذي يمثل جيله، وهو فيلم أعتبره شخصيا فيلم مقاولاتي لا غير.

فالسينما الحقيقية لا تقاس بنوعية التكنولوجيا المستخدمة فيها ولا بالأرباح التي حققتها، بل بما خلفته من أثر إبداعي حتى لو خسرت ماديا، وكذا ما حققته من إضافة في الخريطة السينمائية، فالإبداع الحقيقي لا يباع ولا يشترى بل يحسّ، فماذا تقول أيها الفنان عن سينما السبعينات والثمانينات، ماذا تقول عن فيلم الأرض ليوسف شاهين الذي أنتج سنة 1970، وشكّل عنوانا عريضا على جبين السينما المصرية لم يُمح إلى حد الآن؟ ماذا تقول عن أفلام سعيد مرزوق أريد حلا، زوجتي والكلب، المذنبون وكلها افلام انتجت في السبعينات؟ ماذا تقول عن بعض افلام كمال الشيخ التي انتجت أواخر السيتينات والسبعينات كميرامار؟ ماذا تقول عن فيلم الطوق والإسورة لخيري بشارة ألا يعتبر درسا في الابداع السينمائي؟ ماذا تقول عن أفلام مثل سواق الاتوبيس والعار والسقا مات وموعد على العشاء وخرج ولم يعد والهروب و… أليست أيقونات يضرب بها المثل الى حد الآن في الإبداع الحقيقي الذي يجمع الجمهور والنقاد على رأي واحد؟ أينك من كل هذه الافلام وغيرها كثير، تلك التي حققت المعادلة الفنية الصعبة وشكلت قوة ضاربة للسينما المصرية؟ أين غابت عن ذهنك موجة السينما الجديدة التي أُسست في الثمانينات وسميت بسينما ”الواقعية الجديدة” وأعطت للسينما نفسا جديدا ومختلفا وأحدثت حراكا إبداعيا ملموسا في هذه الصناعة؟ أما موضوع ربط التكنولوجيا بالسينما والابداع فأجده مجرد هراء وكلام فارغ فكم من فيلم فرض نفسه في الساحة بميزانية ضعيفة وبدون استخدام للتكنولوجيا أصلا، فلا أعرف إن كنت قد سمعت عن حركة ”دوغما 95” السينمائية التي أسست في التسعينات على يد أربعة مخرجين دنماركيين، ومن أهمّ أُسس هذه الحركة هي نبذ التكنولوجيا في صناعة الأفلام كحمل الكاميرا بالأيدي مثلا والابتعاد عن استخدام الـ ستيدي كام steadicam أو أي مثبت، للحفاظ عن قصد على اهتزاز الكاميرا، وعدم استخدام الفلاتر، والتصوير ب 35 مم…وغيرها من المعايير التي تجعل الفيلم طبيعيا وواقعيا أكثر، وهذا سبب صدمة للصناع والجمهور على حد سواء، وأحدث نوعا من الارتجاج الايجابي في هذا المجال.

وقد نجحت افلام تنتمي لهذه الحركة نجاحا باهرا واشتهرت بإبداعها الطبيعي الخالي من التكنولوجيا كفيلم راقصة في الظلام Dancer In The Dark لواحد من مؤسسي الحركة المخرج الدانماركي لارس فون تراير وقد فاز بجوائز عالمية مهمة، وهناك ايضا فيلم الاحتفال The Celebration لتوماس فينتربرغ، وغيرهما ورغم توقف الحركة من طرف مؤسسيسها انتشرت في العالم أجمع. ما أريد أن أقوله هنا هو ان الابداع السينمائي لا يقاس بالتكنولوجيا ولا بمداخيل الشباك بل بماهية الإبداع نفسه المجرد من كل التأثيرات الخارجية، وهذا لا ينقص من أهمية التكنولوجيا بل بالعكس فهي خدمت الصناعة السينمائية كثيرا ونقلتها نقلة نوعية كبيرة، وتعتبر بلا شك عنصرا مكملا للإبداع وليس الإبداع نفسه، كما أنني لا أعترض على تواجد افلام سينمائية تجارية بل بالعكس فهي مهمة لهذه الصناعة لكن في نفس الوقت وكما في الغرب علينا ان نحترم ونشجع ايضا السينما الجادة غير التجارية فكلاهما يحققان التوازن الابداعي والمالي المراد الوصول اليه، فلهذه جمهورها ولتلك جمهورها، ولا ننسى ان الافلام التي تنتشر عالميا وتعرِّف بسينما هذا البلد أو ذاك في اكبر المهرجانات العالمية هي السينما المستقلة، سينما المؤلف، سينما المهرجانات، سينما الابداع… سميها ماشئت لكنها هي الواجهة الخارجية للسينما في بلادك.

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *